كيف يمكن أن تتعايش إسرائيل مع الاتفاق النووي الإيراني؟

مقال رأي

 بعد ساعاتٍ فقط من توقيع إيران ومجموعة خمسة زائد واحد خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا، ندد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بها، قائلا إن الاتفاق ليس فقط تهديدا لإسرائيل وإنما "للعالم أجمع". على المدى الطويل، قد يكون الاتفاق جيدا لإسرائيل، نظرا لأنه يبعد إيران عن السعي لامتلاك أسلحةٍ نووية، بل وقد يقود إلى تغيرٍ في النظام الإقليمي للشرق الأوسط عبر نهجٍ أمريكي-إيراني أكثر تعاونا. لا تبدو أيا من تلك السيناريوهات المتفائلة ممكنة في المستقبل القريب، لكن الكثير سيعتمد على الصراعات الداخلية الإيرانية وكيف تسعى نحو تحقيق أهدافها الإقليمية. في ذلك الوقت، ورغم خطاب نتنياهو المبالِغ، تظل إيران تهديدا حقيقيا للأمن الإسرائيلي. في ذلك السياق فإن معارضة إسرائيل للاتفاقية يمكن تفهمها نظرا لأنها تؤدي إلى تطبيع وجود إيران عبر المنطقة وتضع إسرائيل في موقفٍ دفاعي.

أصر نتنياهو طويلا على أن المفاوضات مع طهران "تمهد طريق إيران نحو القنبلة". لكن عقد اتفاقٍ مع إيران كان ضروريا نظرا للتقدم دون عائق الذي حققه البحث العلمي النووي لديها. في عام 2014، توقعت إيران أن تستطيع توليد 20 جيجاوات من الطاقة من مفاعلاتها النووية بحلول عام 2020، كما أظهرت التقديرات أن تقدماتها في الطاقة النووية وفرت لها 11 مليار برميل من النفط يمكن أن تثمر عن 2 مليار دولار في السوق العالمي. كان البرنامج النووي الإيراني يتقدم بوضوح حتى تحت نظام العقوبات الصارم.

رغم ذلك، يجادل نتنياهو وآخرون بأن الاتفاقية سوف تؤخر طهران فقط عن حيازة أسلحة نووية في النهاية. لكن في النهاية لم يكن شركاء خمسة زائد واحد ليحصلوا على كل ما أرادوه من المحادثات: توقع أن إيران سوف تفكك كل قطعة من برنامجها النووي أو تتخلى عن حقها في إنتاج وقود نووي سوف يكون غير منطقي. سوف تقيد تفاصيل الاتفاق هذه الجهود لعدة سنوات على الأقل، رغن أنه من الممكن لإيران أن تغش خلال تلك المدة وتضع الأساس لسباقٍ أخير نحو القنبلة بمجرد انتهاء أحكام الاتفاق.

بالنسبة لإسرائيل، فإن مشكلة الاتفاق الأكبر هي إغفال تضمين مبادئ توجيهية بشأن أنشطة إيران الأقليمية. التغيرات في الحظر على صفقات الأسلحة وتكنولوجيا الصواريخ البالستية الذي أصدره مجلس الأمن، على سبيل المثال، ليس مشروطا بالسلوك الإيراني عدا الانتهاك المباشر للاتفاقية. وهو شيءٌ متوقع، نظرا لأنها ليست معاهدة سلام كان يمكن أن تحتوي بنودا تحكم جميع أنشطة البلاد في الشرق الأوسط الكبير. لكن إسرائيل تعتبر تلك الأنشطة أجزاءً شرعية من النقاش، حيث أن البرنامج النووي ليس سوى عنصرا واحدا من التهديد الاستراتيجي الإيراني الأكبر لإسرائيل.

ينبغي أن يتوقع المجتمع الدولي أن تظل إيران مخربة في الصراعات الإقليمية، سواء كانت تتعاون مع مفاوضي مجموعة خمسة زائد واحد أم لا. لن تتخلى طهران عن طموحاتها في النفوذ الإقليمي، وسوف تستمر في معارضة وجود واشنطن في المنطقة وتعزيز المجموعات الشيعية في العراق على حساب أهداف سياسات الولايات المتحدة. وبالمثل فإن إيران لن تدعم عملية سلام فلسطينية إسرائيلية، وسوف تستمر في كونها عدوا عنيدا لإسرائيل. سوف تُبقي القيادة الإيرانية على دعمها للمسلحين والإرهابيين عبر الشرق الأوسط – وهي جماعاتٍ تهاجم المدنيين وتسعى لإعادة ترتيب السياسات القومية والإقليمية عبر المنطقة من خلال العنف.

خطوات إسرائيل القادمة

https://files.foreignaffairs.com/styles/large-alt/s3/images/articles/2015/07/16/sasley_dealwithit_netanyahuobama.jpg?itok=B5d_ylV8

الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسيران خلال مراسم ترحيب رسمية بمطار بن جوريون الدولي بجوار تل أبيب، 20 مارس 2013.

إذا كانت إسرائيل تريد التأثير في السياسة الدولية تجاه إيران، فهناك خطواتٍ قليلة يجب أن يتخذها قادتها. يجب أن يعترف نتنياهو أولا بأن الاتفاق قد تم. يجب أن يعمل على ضمان أن يتم إلزام إيران بالتزامتها. لكن في نفس الوقت ينبغي أن تؤكد إسرائيل على أن الاتفاقية يجب أن تأتي مع تركيزٍ جديد على سلوك إيران الإقليمي، وعلى دفع البلاد نحو دورٍ أقل تدميرية في المنطقة. انخرط المجتمع الدولي في جهدٍ حسن النية للعمل مع إيران، ينبغي الآن أن يكون هناك توقعا أن إيران سوف ترد بالمثل عبر سلوكٍ أكثر إيجابية.

وبالتحديد ينبغي أن تؤكد إسرائيل على دعم إيران لحزب الله في الحرب الأهلية السورية الوحشية وفي أماكن أخرى، ومعارضتها لعملية سلام إسرائيلية فلسطينية. ينبغي أن تؤكد إسرائيل أيضا على أن أطرافا رئيسية في إيران تعارض الاتفاق، مبرزا الحاجة إلى انتباهٍ حذر ومستمر لتطبيقه.

https://files.foreignaffairs.com/styles/large-alt/s3/images/articles/2015/07/16/sasley_dealwithit_israeliranflags.jpg?itok=hqUTgNAb

علمي إسرائيل وإيران ما قبل 1979 خلال مظاهرةٍ ببرلين، 28 يناير 2007.

ثم ينبغي أن تتحرك إسرائيل بسرعة وبجِد في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بدون شروطٍ مسبقة مثل مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بدولةٍ يهودية. ينبغي أن يتوقف بناء المستوطنات – حتى بالنسبة للمشروعات التي يجري تشييدها أو الموافقة عليها. ينبغي أن يتم إخبار جنود الدوريات في الضفة الغربية بالحد من أنشطتهم المروعة غير الضرورية، مثل القيام بمهاجمة المنازل ليلا، بينما يتم تسهيل القيود على حركة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية والنشاط الاقتصادي. يتوقع المجتمع الدولي ان تتخذ إيران التزاماتها بجدية (فلن يتم رفع العقوبات دون ذلك، بعد كل شيء). التخلص من قدرة إيران على تخريب المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية سوف يقيد أكثر قدرة إيران على الإخلال بالسياسة الإقليمية وسيقدره الأمريكيون، مما سوف يزيل الكثير من العداء الذي تسبب فيه نتنياهو كنتيجةٍ لعدائيته تجاه أوباما.

من غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل سوف تقوم بأيٍ من تلك الجهود أم لا، نظرا لعدد متشددي الشئون الخارجية في حكومة نتياهو الذين يرون العالم مكانا معاديا لإسرائيل. حتى أحزاب المعارضة الإسرائيلية اليهودية كانت مترددة في الانفصال عن نتنياهو بشأن إيران. لن يتخلى نتنياهو عن خطابة المنذر بنهاية العالم ضد الاتفاقية – والتي دعاها "خطأً تاريخيا مدهشا!" – وربما يكون قد جعل نفسه محاصرا نتيجةً لذلك. وحيث أنه من المرجح تطبيق الاتفاق، بالنظر لنوايا الرئيس الأمريكي باراك أوباما الحازمة، فسوف يكون على نتنياهو أن يشرح للإسرائيليين ليس فقط لماذا فشل في الحصول على دعم واشنطن في إعاقة المفاوضات، وإنما أيضا كيف يمكن أن يمضي للأمام بعد بدء تطبيق الاتفاق.

ما الذي يمكن لواشنطن فعله

إنه هنا حيث يمكن لواشنطن تسهيل نهجٍ إسرائيلي أكثر إيجابية. سوف يكون تدفقا كبيرا للمساعدة العسكرية لإسرائيل هو أول خطوة، إذا كان يمكن الاهتداء بالأنماط التاريخية، فإنه في أي وقت يقع تطورٌ أو إعادة تموضع اقليمية كبيرة تؤثر على الأمن الإسرائيلي تقوم الولايات المتحدة بتوفير المزيد من الدعم العسكري. يمكن أن تشير الولايات المتحدة أيضا إلى سلوك إيران السيء كوسيلةٍ لتظهر لإسرائيل أنها جادة بشأن المخاوف الإسرائيلية. وأخيرا، يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة تلك الفرصة لصياغة علاقات عمل وثيقة بين القدس والرياض. تخشى كلٌ من إسرائيل والسعودية من أن الولايات المتحدة تسعى للتقارب مع إيران على حسابهم المشترك؛ طمأنة كلا البلدين بأن ذلك ليس صحيحا يوفر لهما فرصة للعمل معا – حتى إن كان على مستوى متواضع – الأمر سوف يخفف من مخاوفهما ويساعد أيضا في إنشاء نظام سقالات سياسي لاحتواء إيران.

يقع أمل إسرائيل الأخير في فشل الاتفاق النووي على عاتق الكونجرس الأمريكي. من غير المؤكد ما إذا كان هناك دعما كافيا لتجاوز فيتو رئاسي محتمل ضد إجراءاتٍ معادية للاتفاقية، حيث إن أغلبية الثلثين الضرورية لفعل ذلك تبدو غير مرجحة. بالفعل، لقد فشلت جهود نتنياهو السابقة لاستخدام الكونجرس والحزب الجمهوري كعرباتٍ لتشكيل نتيجة المفاوضات إلى حدٍ كبير. لا يمكن لنتياهو الاستمرار في الحشد ضد الاتفاق كبديلٍ لسياسة قابلة للتنفيذ ضد التهديد الإيراني – سوف يولد هذا إحباطا أكبر من حكومته عما تظهره إدارة أوباما والقوى الأوروبية بالفعل. سوف يضعف ذلك بدوره قدرة إسرائيل على تعزيز مصالحها. لقد تم الاتفاق، وحان الوقت لبديلٍ شامل.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب