من يقود حركة طالبان؟

مقال رأي

   قبل يومين من الاجتماع الرسمي الثاني المزمع، بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، تنتشر شائعات جديدة بأن زعيم طالبان، الملا محمد عمر، قد توفي منذ عامين، وأنه قد قتل إمَّا في صراع داخلي على السلطة، أو نتيجة لمرض السل. وحتَّى قبل وجود كلمة بشأن الوفاة غير المؤكدة للزعيم المنعزل، استمرَّت تكهنات حول موته، وأسئلة حول من يسيطر فعليًا على الحركة، منذ فترة وجيزة بعد فراره من قندهار، في أواخر عام 2001 – وبدون مضاعفة الأمر من خلال حقيقة أنَّه لم يظهر في العلن سوى عدد قليل من المرات، حتَّى أثناء حكمه لأفغانستان، في التسعينيات. ومع المحادثات (المأمولة)، بعد أقل من 48 ساعة، فإنَّ السؤال المطروح الآن أكثر من أي وقت مضى هو: من يقود حركة طالبان؟

على الرغم من أن بنية قيادة طالبان منحرفة عن قصد، فإنَّه قد نُظِر إلى أختر محمد منصور، منذ فترة طويلة، على أنَّه الرجل الثاني في التنظيم. وبقطع النظر عن الحالة الفعلية الحالية التي قد يكون عليها عمر، فإنَّ منصور قد اتَخذ المزيد من القرارات يومًا بعد يوم، وامتلك قوةً غير رمزية أكثر من أي شخص آخر في الحركة. ويمكن القول إنَّه يمتلك تأثيرًا على حكومة الظل الطالبانية، التي تنشط داخل أفغانستان، أكثر من أي زعيم طالباني آخر. والأهم من ذلك، لقد حافظ على علاقات عمل مع جهاز الاستخبارات الباكستانية، وهو الأمر الذي يفصِله عن "طالبان خمسة"، المحتجزين السابقين في خليج غوانتانامو، الذين أفرج عنهم في عملية تبادل للأسرى، ويقيمون حاليًا في العاصمة القطرية، الدوحة.

ولد منصور ونشأ في وادي النهر، الغني بالخشخاش، باند اي تيمور، المنطقة الشبيهة جدًا بمحافظة قندهار المركزية، حيث حشد عمر، لأول مرة، ما سيصبح لاحقًا حركة طالبان، وحيث ترعرع تقليديًا عدد غير متكافيء من قادة طالبان. ومثل كثير من الأفغان، نمى منصور، في باكستان، خلال حكومات الشيوعيين والمجاهدين، من الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات، وحصل على شهادته من دار العلوم الحقَّانية، ومدرسة خارج بيشاور تعرف باسم "الجهاد يو"، و"جامعة الحرب المقدسة"، التي سُجِّل بفضلها عدد من المتطرفين على مر السنين.

وبحلول عام 1993، انتقل منصور جنوبًا، إلى محافظة بلوشستان الباكستانية المتاخمة لقندهار، حيث كان ثمة إقامة جيدة لقيادة طالبان في المنفى لفترة طويلة. وقد لعب منصور، من منصبه في بلوشستان، دورًا رئيسًا في وقت مبكر في ربط عمر بالمخابرات الباكستانية، وهو الاتصال الذي يحافظ على الحركة حتى يومنا هذا. وعندما سيطرت حركة طالبان على قندهار، في عام 1994، تم تعيين منصور وزيرًا للطيران المدني. ويجترّ سكان مسقط رأسه القندهاريين قصصًا، قد تكون ملفقة، حول نقل منصور للأفيون في طائرات هليكوبتر تابعة لطالبان، من حقول باند اي تيمور، لأوكار المهربين على طول الحدود الجنوبية لأفغانستان.

عندما انهار نظام طالبان، في عام 2001، فرَّ منصور مرَّة أخرى إلى بلوشستان، بعد أن قضى فترة وجيزة كواحد من ممثلي الملا عمر، في اللحظات الأخيرة للمحادثات مع وكالة الاستخبارات المركزية.

بينما سجن قادة طالبان الآخرين، أو تم وضعهم تحت الإقامة الجبرية من قِبل السلطات الباكستانية، ظلَّ منصور ابنًا مفضَّلًا إلى حد كبير، لأنه قد بقي ملتزمًا بسياسة الاستخبارات الباكستانية، وكثيرًا ما كان بمثابة حلقة الوصل بين شبكة حقاني، في وزيرستان، وحركة طالبان الأفغانية، في بلوشستان. وهو أيضًا أحد هؤلاء الذين استفادوا من زيادة عدد القوات الأمريكية، في الفترة من 2010 إلى 2011. وكما يلاحظ أحد المحللين من قندهار، في مقابلة معه: "لقد استفاد منصور، أكثر من أي شخص آخر، من فراغ القيادة الذي جرى بعد أن بدأت الولايات المتحدة في إخراج الكثير من قادة طالبان - خاصَّة في الجنوب. بقي منصور آمنًا، في باكستان، وكان قادرًا على توسيع شبكته ومركز قوته، على الرغم من أنه لم يكن أبدًا القائد العسكري في حد ذاته".

وفي وقت متأخر من عام 2012، اعتُبِر منصور من المتشددين بين قادة طالبان، لمعارضته أي محادثات مع حكومة حامد كرزاي. ومنذ 2013 فصاعدًا، يبدو أن موقفه قد تغير، بما يضعه مباشرة على النقيض من عبد القيوم ذاكر، وهو قيادي في طالبان، من شمال هلمند، قاد لسنوات ما يمكن القول إنه أكبر جبهة متمردين منظمة داخل أفغانستان.

احتدم الجدل بين منصور وذاكر، طوال عام 2014، حول اتجاه الحركة، وقد اعتمد ذاكر على موقف متشدد، وتمت إقالته في نهاية المطاف، إلا أنه قد تمت إعادة تنصيبه بعد المصالحة التي تضمنت ذبح عدد قليل من الماعز، والعناق المتبادل بين رجال القلبية. وفي أوائل عام 2015، مع ذلك، ورد أن "الصديقين المتصارعين" قد أصبحا على خلاف مرة أخرى. وتتكهن التقارير الإخبارية الأخيرة بشأن وفاة عمر أن منصور وابن عمر منخرطان في معركة من أجل السيطرة.

بالنظر إلى علاقاته التاريخية الوثيقة مع باكستان، يمكن أن يُقرأ اعتدال منصور باعتباره مؤشرًا واضحًا على أن حسابات باكستان قد تغيَّرت بالفعل. وحقيقة أن الجولتين الأولى والثانية من محادثات السلام ستعقد في منتجع موري الباكستاني، وهو ما ينظر إليه إلى الآن بوصفه رحلة يوم لطيف من إسلام آباد، أمر يلعب من أجل قوة منصور أيضًا - وباكستان -، لا سيما فيما يتعلق بالقيادة المرتكزة في الدوحة.

وبشأن جميع الأشياء التي قد يكون عليها منصور، فإنَّه بالتأكيد ليس الملا عمر. لقد ظلت المصالح المختلفة المتنافسة داخل طالبان، أكثر بكثير من تنظيم القاعدة، وربما أكثر حتى من الدولة الإسلامية، موحَّدة شكليًا، نتيجة القناعة بأنَّ عمر هو أمير المؤمنين. وقد كان وضع عمر الروحي هو الشيء الوحيد الذي وحَّد طالبان معًا لفترة طويلة. وقد يكون لدى منصور أصدقاء مهمين في باكستان، لكنَّه ليس أمير المؤمنين، وعشية المفاوضات، يبدو أن طالبان تتجه، أقرب من أي وقت مضى، نحو تقسيم مفتوح على مصراعيه.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب