هل ستنشئ الأردن منطقة آمنة بسوريا، أم منطقة خطرة؟

مقال رأي

 حتى الآن، وقفت المملكة الأردنية الصغيرة على هامش الأزمة السورية، محتكة بالصراع على نحو أكبر عبر مئات الآلاف من اللاجئين الذين تدفقوا عبر حدودها الشمالية. ولكن ذلك الواقع قد يتغير قريبا. فخلال الشهر الماضي، ومع تحرك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قريبا من حدودها على نحو خطير، أبدت الأردن استعدادها للعب دور إقليمي أكثر فاعلية، ليشمل بناء منطقة للإغاثة الإنسانية والتدريب العسكري في جنوبي سوريا، حيث ستساعد المتمردين السوريين وتفرغ المتدفقين إليها من اللاجئين.

قد تؤدي تلك الخطة إلى كارثة. فإنشاء منطقة آمنة في سوريا، والتي ستعتبر تعديا غير مرحب به على الأراضي السورية، قد يحرض نظام الأسد على الانتقام من الأردن. كما قد تفتح مسارا إلى داخل المملكة للتنظيمات المتطرفة.

كانت احتفالات عيد الجيش الأردني هذا العام، يوم 10 يونيو، والتي تحتفي بذكرى الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، رمزية للغاية وملمحة إلى خطة الملك. حيث قدم الملك عبد الله أثناء الاحتفالات "الجيش العربي"، وهو الاسم الذي يحمله الجيش الأردني، حاملا العلم الهاشمي، الذي حمل أثناء الثورة من قبل أعضاء العشيرة الهاشمية، وهم الأحفاد المباشرون للنبي محمد. وتؤكد الكتابة على العلم، التي تشمل الشهادتين والبسملة، على الدور التاريخي القيادي للهاشميين في خدمة القضايا العربية والإسلامية.

قد يبدو ذلك غير ضار، ولكن بعد فترة قصيرة من احتفالات عيد الجيش، كتب ماهر أبو طير، صحفي أردني بارز، مقالا في جريدة حكومية عنوانه "مملكة عربية جديدة عاصمتها عمان". قال أبو طير في مقاله إنه يجب على الأردن أن توسع مملكتها لتشمل الأجزاء السنية من غرب العراق وشمالي سوريا بالإضافة إلى الضفة الغربية. زعم أبو طير أن الحدود الإقليمية تتغير بشكل جذري. وللتعامل مع الواقع الجديد، تحتاج الأردن لتعديل حدودها وفقا لذلك لتضمن بقاءها. ويضيف أنه في غضون ذلك سترحب الشعوب السنية في الدول المجاورة بالحكم الهاشمي، خصوصا بعد أن عاشوا تحت الحكم الاستبدادي لأنظمتهم الطائفية.

بالتأكيد من غير المرجح أن توسع الأردن حدودها، ولكن سياستها الخارجية أصبحت أكثر جرأة دون شك. أولا عبر تدريب المتمردين السوريين وإنشاء منطقة الإغاثة الإنسانية. وتنوي الأردن عبر تلك المنطقة، التي ستشمل محافظتي درعا والسويداء، أن تساعد المتمردين السوريين في شن هجمات على نظام الأسد في أجزاء أخرى من سوريا وأن تحمي الحدود السورية الأردنية من المتطرفين. بينما ستحمي الجبهة الجنوبية، وهو تحالف من المتمردين السوريين غير المنتمين للجماعات الأكثر راديكالية (مثل الدولة الإسلامية، جبهة النصرة، أو أحرار الشام)، المنطقة بدعم من المملكة. دشنت الجبهة خلال الشهر الماضي عملية حملت اسم "العاصفة الجنوبية" لاحتلال مدينة درعا. وبينما علقت منذ حينها، تظل العملية على أجندة عمليات الجبهة.

قد تبدو المنطقة العازلة كوسيلة ذكية لبناء شبكة آمنة ولتفريغ عبء آلاف اللاجئين، ولكنها ستضعف بالتأكيد أمن المملكة. أولا، ستزعج المنطقة دون شك نظام الأسد، ربما بشكل كافي ليشن هجوما على الأردن. كثف النظام السوري مؤخرا قصفه على التنظيمات المتمردة في درعا، كما يعتبر السيطرة على المدينة حاسمة لبقاءه. وإن تورطت الأردن هناك، عبر دعمها على نحو نشط وتقديمها للاستشارات للتنظيمات المقاتلة في درعا (بل وربما ترسل إليهم أردنيين)، قد يقرر النظام السوري الهجوم. رغم أن الرئيس السوري بشار الأسد ربما لا يريد أن يضيف المزيدين إلى قائمة أعداءه، إلا أنه من المستحيل أن يتجاهل منطقة آمنة قريبة من دمشق.

ثانيا، تنظيمات المعارضة الراديكالية قوية في جنوبي سوريا، وقد تورط الأردن نفسها في سياساتها المعقدة على نحو ليس في صالحها. يعتبر "جيش الفاتح" أحد التنظيمات المتمردة الرئيسية النشطة في محافظة درعا، ويمثل مظلة تشمل تنظيمات راديكالية مثل جبهة النصرة، أحد أفرع تنظيم القاعدة، وأحرار الشام، تنظيم متمرد متشدد للغاية. ولكن لا تعتبر التنظيمات المتطرفة قوية في الجنوب كما هي في الأنحاء الأخرى من سوريا، وقد حاولت غرفة العمليات في عمان، المعروفة باسم "قيادة العمليات العسكرية"، التي تمرر الأسلحة والأموال إلى الجبهة الجنوبية من عمان، أن تمنع الجبهة الجنوبية من التعاون مع جيش الفاتح والتنظيمات الراديكالية الأخرى.

ولكن في ظل كونها مظلة للتنظيمات الأخرى، تعاني الجبهة الجنوبية من انقسامات داخلية قد تدفع بعض فصائلها للتحالف مع جيش الفاتح. فإن غزت الجبهة الجنوبية درعا في النهاية، قد ينتهي الحال بجيش الفاتح بإنشاء معسكرات في المنطقة الآمنة. وسيؤدي تواجد جيش الفاتح في درعا إلى تعزيز غضب سوريا، التي اتهمت الأردن بدعم التنظيمات الإرهابية. والأهم، ستواجه الأردن ضغوط أمريكية لمنع عمل المتطرفين في المنطقة. ومع ذلك، إن حاولت المملكة بشكل فعال أن تمنع تلك التنظيمات من استخدام منطقة التدريب كأرضية تنظيمية لها، إما عبر مهاجمة تلك التنظيمات أو عبر وسيلة أخرى، فقد تقرر التنظيمات أن تنتقم من المملكة.

وأخيرا، تحمل المنطقة الآمنة خطر جر الأدرن بشكل مباشر إلى ثنايا الصراع السوري. ومما لا شك فيه أن القصف المتقطع عبر الحدود قد أحدث خسائر مدنية، ولكن الحدود الأردنية ظلت آمنة نسبيا أثناء الحرب الأهلية. إلا أن المنطقة الآمنة قد تمثل هدفا جذابا جدا للتنظيمات الراديكالية مثل داعش وجيش الفاتح، ما سيدفع الأردن لإرسال قواتها البرية إلى جنوبي سوريا. إن حدث ذلك، قد تؤدي مشاركة الأردن على نحو خطير إلى زعزعة استقرار المملكة.

حتى الآن، حافظت القيادة الأردنية بشكل مثير للإعجاب على أمن واستقرار بلادها رغم الوضع الأمني المتدهور في العراق وسوريا. ولكن في ظل الهجوم المستمر في درعا، ستواجه الأردن أخطارا متزايدة، لذلك لا يجب أن تستغل الفرص السياسية. هناك طريقتين تستطيع بهما الولايات المتحدة أن تساعد الأردن في تجنب التدخل في سوريا. حيث يمكنها أن تتعاون مع روسيا وإيران في سبيل إجبار الأسد على الموافقة على وقف لإطلاق النار في الجنوب. سيخفض ذلك حدة الصراع قرب الحدود الأردنية وسيقلل حاجة المملكة للتدخل في الصراع. تستطيع واشنطن أيضا أن تدعم الأردن عبر تقديم المزيد من الأموال لإغاثة اللاجئين السوريين وتشجيع المجتمع الدولي على أن يحذو حذوها. سيخفف ذلك الضغط عن الأردن في بحثها عن بدائل لاستيعاب اللاجئين. وسيسمح هذان الخيارين للأردن بتأمين حدودها دون الاضطرار لإقامة أي نوع من المناطق الآمنة على حدودها، التي ستمثل منطقة آمنة اسميا فقط.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب