يجب على أوباما أن يبقى بعيدًا عن إثيوبيا

مقال رأي

 ترغب واشنطن في شريك مستقر في منطقة القرن الإفريقي. لكن ليس تملق النظام القمعي في أديس أبابا هو السبيل للحصول على هكذا شريك.

سيكون الرئيس باراك أوباما، في وقت لاحق من هذا الشهر، هو أول رئيس للولايات المتحدة، في السلطة، يزور إثيوبيا، ثاني دولة من حيث عدد السكان في إفريقيا، وأمّة يعتبرها كثيرون حصنًا للاستقرار في منطقة محاطة، من ناحية أخرى، بالنزاع الأهلي. وصِفت الرحلة - التي ستتضمن أيضًا وقوفًا في كينيا - بأنها جزء من الجهود الإقليمية لإدارة أوباما "من أجل تسريع وتيرة النمو الاقتصادي، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، وتحسين الوضع الأمني".

إنها فعلًا أهداف سامية ينبغي على حكومة الولايات المتحدة أن تسعى إليها بنشاط. لكن يرسل توقيت وفحوى زيارة أديس أبابا إشارة مثيرة للقلق بأن أولويات واشنطن - ليس فقط في إثيوبيا، ولكن في القارة بأكملها -، في الواقع، على خلاف مع البلاغة كثيرة التكرار للرئيس حول دعم حقوق الإنسان وتعزيز المؤسسات والديمقراطية الإفريقية .

دعونا نكون واضحين: ليست إثيوبيا هي نموذج الديمقراطية التي ينبغي أن يكافأ بزيارة الرئيس. الجبهة الثورية التي تحكم منذ فترة طويلة، ولها الآن في السلطة 25 عامًا، ادّعت نصرًا ساحقًا في الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر مايو، وحازت على جميع المقاعد البرلمانية البالغ عددها 547، وهو الأمر الذي يضعها في مصاف كوريا الشمالية وبعث صدام حسين في العراق من حيث الكفاءة الهائلة في اكتساحها الانتخابي. ولا ينبغي أن تشكل النتائج مفاجأة: اكتسح الحزب الحاكم الانتخابات الأربعة الماضية، بما في ذلك انتخابات عام 2010، التي حصلت فيها على النسبة الهائلة 99.6 في المئة من الأصوات. وفي هذه المرة، لم تكلِّف واشنطن والاتحاد الأوروبي أنفسهما عناء إرسال مراقبين للانتخابات، عالمين تمام العلم أن انتصار الجبهة الثورية كان أمرًا مفروغًا منه.

شهدت الفترة التي سبقت تصويت 24 مايو حملة واسعة النطاق على الصحفيين، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وأنصار المعارضة. ما هو أسوأ من ذلك أنه قد تم الإعلان عن زيارة أوباما يوم 19 يونيو، وهو نفس الأسبوع الذي تم الكشف فيه عن مقتل أعضاء بأحزاب المعارضة الثلاثة في البلاد، في ظروف مريبة للغاية.

لماذا يزور الرئيس أوباما بلدًا الديمقراطية فيه بمثل هذه الحالة المزرية، وحيث لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان ممنهجة وواسعة الانتشار؟ لأنه، على الرغم من النقص الواضح في الحقوق السياسية والحريات المدنية في إثيوبيا، ومكانتها باعتبارها واحدة من السجانين الكبار للصحفيين في العالم، إلا أن رئيس الوزراء، هايله مريم ديساليغنه، مستساغ بالنسبة إلى واشنطن والدول الغربية المانحة الأخرى، على وجه التحديد، بسبب عدم كونه: دكتاتورًا رجعيًا مقارنة بنظرائه الإقليميين، أسياس أفورقي في اريتريا، أو عمر البشير في السودان. كان القمع الوحشي بيد من حديد من قِبَل النظامين الأخيرين وقحًا، في حين كان ديساليغنه والحزب الحاكم يعملان ضمن النظام القضائي (الخاضع لسيطرة النظام)، من أجل إعطاء قمعهم غطاءً قانونيًا.

كأكاديمي سابق، جاء وصول ديساليغنه إلى أعلى منصب في إثيوبيا مجاملة من الموت المفاجيء، في عام 2012، لرجل إثيوبيا القوي، ميليس زيناوي، الذي حكم البلاد لمدة عقدين من الزمن. كان زيناوي مفضلًا في واشنطن: على الرغم من أنه سحق بوحشية المعارضين السياسيين، ونفّذ سلسلة من القوانين الصارمة التي تهدف إلى تكميم الصحافة وخنق المعارضة، إلا أنه تمكن أيضًا من التقعيد لصورة إثيوبيا ذات الاقتصاد المستقر والمتنام في القرن المضطرب من إفريقيا. قام الحلفاء الغربيون لزيناوي، خاصة الولايات المتحدة، بالتصفيق للنمو الاقتصادي المتواضع في البلاد، واستعداد النظام لتأييد ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب". ونتيجة لذلك، غض قادة في واشنطن بشكل روتيني الطرف عن انتهاكات الجبهة الثورية الواسعة لحقوق الإنسان، وقمعها المستمر للمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمعارضة السياسية.

كان العديد من مستشاري أوباما الرئيسين مساعدين مقربين وأصدقاء شخصيين لرئيس الوزراء الراحل. سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي والدبلوماسية السابقة رفيعة المستوى في الأمم المتحدة، على سبيل المثال، لم تُخف احترامها وصداقتها لزيناوي، الذي نعتته بـ "قائد مستخدَم". معاونة كبيرة أخرى لأوباما، غايل سميث - المرشحة الحالية لقيادة وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية، التي قدَّمت لإثيوبيا ما يقرب من 500 مليون دولار في عام 2013 -، لم تخجل أبدًا من إعجابها بزيناوي.

ينظر لديساليغنه إلى حد كبير باعتباره مرشح تسوية للقلاقل، وائتلاف الجبهة القائم على أسس إثنية، وهو قد واصل الحكم بالأسلوب نفسه – كما يستمر انحراف واشنطن في الحاجة إلى تبني دكتاتور في ملابس التكنوقراط. في أبريل، قبل شهر واحد من الانتخابات الصورية في إثيوبيا، أشادت وكيلة وزارة الخارجية للشئون السياسية، ويندي شيرمان، علانية بـ "الديمقراطية" الإثيوبية خلال زيارة للبلاد، وهو ما دفع المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماري هارف، نحو المزيد بالقول "إن تصريحاتها تعكس تمامًا مواقف حكومة الولايات المتحدة". إنه بلمحة خاطفة على سجل حقوق الإنسان السيء لإثيوبيا تتحول هذه الادعاءات الكاذبة رأسًا على عقب.

في 25 يونيو، أصدرت وزارة الخارجية تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان في إثيوبيا، الذي أشار إلى "قيود مفروضة على حرية التعبير" بشكل واسع، و"محاكمات ذات دوافع سياسية"، و"مضايقة وترهيب المعارضين والصحفيين"، و"قتل تعسفي مزعوم... وتعذيب"، و"قيود على قدرة المواطنين على تغيير حكومتهم"، وقيود على حرية التجمع وتكوين الجمعيات والحركة. استمر مانحو إثيوبيا، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي توفِّر ما يقرب من نصف الميزانية الوطنية في إثيوبيا، في تجاهل علامات الاضطراب هذه. إن واجهة النمو الاقتصادي، وحرص الغرب على "قصة نجاح التنمية"، لترويجها على الساحة الدولية أمور تحول على ما يبدو دون الضغط الدبلوماسي والصادق من أجل الإصلاح.

من المؤكد أن دولًا تعاني بشدة تحيط بإثيوبيا. على الرغم من التقدُّم الذي أحرز مؤخرًا، تواجه الصومال تهديدات معقولة ومستمرة من المجموعة المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة، حركة الشباب. وقد آلت جنوب السودان إلى حرب أهلية مستعصية على الحل مع عدم وجود نهاية في الأفق. كما لم تتغلب كينيا بعد على تداعيات العنف الذي أعقب الانتخابات في 2007-2008، ناهيك عن عدم قدرتها على درء الهجمات الحدودية لحركة الشباب. وإريتريا، التي يدعو البعض بكوريا الشمالية أفريقيا، لا تزال دولة بوليسية قمعية للغاية حيث يواصل مئات الآلاف الهرب. وأبعد من ذلك، اليمن في حالة من الفوضى الدموية. وعلى النقيض من ذلك كلّه، ظلت إثيوبيا مستقرة إلى حد كبير.

على الرغم من هذه القشرة الخارجية للاستقرار والتقدم، إلا أن النظام الحالي في إثيوبيا غير قابل للاستمرار. لقد أُضعفت المعارضة الصوتية بشكل منهجي. والسخط العرقي منتشر. وقد التقى الإحياء الديني بالقمع الوحشي للدولة. والازدهار الاقتصادي غير موزع على نطاق واسع ومن ثم يستمر التفاوت في الارتفاع. والمحسوبية وطاعون الفساد يتخمان بالفعل البيروقراطية. وبطالة الشباب تمثِّل تحديًا مستمرًا وخطيرًا. كما دُمرت وسائل الإعلام المستقلة، ومجتمع حقوق الإنسان، والمجتمع المدني. ويجري العمل على تهجير عدد لا يعد ولا يحصى من المواطنين من أراضي أجدادهم تحت ستار التنمية. قد تزرع هذه العوامل مجتمعة في نهاية المطاف بذور الصراع المتشابك الذي يمكن أن يتردد صداه عبر المنطقة المضطربة والمتوترة بالفعل.

ترسل زيارة أوباما المرتقبة إلى إثيوبيا، في هذا السياق، رسالة خاطئة بشأن التزام واشنطن المعلن بتعزيز المؤسسات الديمقراطية - وليس الرجال الأقوياء - في إفريقيا. ما هو أكثر من ذلك، قد يكون غض الطرف عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من أجل التعاون لمكافحة الإرهاب وما يسمى بـ "الاستقرار الاقليمي" استراتيجية تهزم نفسها بنفسها، وهي أمر سيء على المدى الطويل بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والمواطنين في جميع أنحاء منطقة القرن الإفريقي أيضًا.

إذا أرادت الولايات المتحدة المساعدة في تعزيز المؤسسات الديمقراطية والتضامن مع الأفارقة، الذين يطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى بالديمقراطية، فإن نيجيريا يمكن أن تكون نموذجًا بديلًا أفضل من ذلك بكثير. عقدت نيجيريا، أكبر الدول الإفريقية من حيث عدد السكان والاقتصاد، انتخابات تاريخية في مارس، أطاح فيها مرشح المعارضة بنظيره الذي كان في السلطة وقتها والذي قبل بالهزيمة. في إثيوبيا، يبقى هذا السيناريو مجرد أضغاث أحلام لـ 96 مليون مواطن. لقد جاء الحزب الحاكم الآن لتولي البلاد على الأقل حتى عام 2020، ويرسخ السماح له بالمواصلة أجهزته القمعية ويوسع هيمنته فترة طويلة بعد ولايته الحالية.

من غير المرجح أن يغير أوباما ومساعديه خط سير رحلته القادمة. مع ذلك، لم يفت الأوان بعد بالنسبة إلى رئيس وحكومة الولايات المتحدة ليتكلموا بصراحة لشعب إثيوبيا، موضحين أنهم لا يقصدون من الزيارة التاريخية تأييد، أو، بطريقة أخرى، الإقرار بالهيمنة الأتوقراطية للجبهة الثورية. بدلًا من ذلك، ينبغي أن يكون أوباما واضحًا مع قيادة الجبهة، سواء في اللقاء الخاص، والأهم من ذلك في العلن، في أن الولايات المتحدة تقدِّر التحديات المعقّدة التي تواجهها البلاد وأن القمع ليس وسيلة مقبولة لمعالجتها.

يجب على أوباما وفريقه أيضًا مقابلة المعارضة السياسية في أثيوبيا وقادة المجتمع المدني علانية، بما في ذلك هؤلاء المقيمين في البلاد أو خارجها، في كينيا، حيث اضطر العديد منهم للانتقال بسبب تزايد القمع في الوطن. ويجب على أوباما أيضًا إثارة قضية أعضاء المعارضة الذين قتلوا مؤخرًا، وكذلك الصحفيين والنشطاء والسجناء السياسيين الذين تعرضوا للسجن خطأ وللاعتقال التعسفي في ظل مجموعة من القوانين الصارمة التي تجرم المعارضة.

على المدى الطويل، يجب على الحكومة الأمريكية أن تضاعف التزامها مع المجتمع المدني المحاصر في إثيوبيا. يشتمل طلب أوباما لميزانية 2016 ما يزيد على 400 مليون دولار من المساعدات لهذا البلد، والتي يتم تخصيص أقل من واحد في المئة منها من أجل برمجة الديمقراطية وحقوق الإنسان  - تحسن فعلي عن العام الماضي، حين خصص صفر إلى هذا القطاع الحيوي، وذهب أغلب الإنفاق في الصحة والمساعدات الإنسانية.

إن وجود مجتمع مدني إثيوبي قوي ومعاد تنشيطه وتمكينه، حيث لدي جماعات حقوق الإنسان الحرية في العمل، أمر أساسي لتعميق مباديء الديمقراطية، ليس فقط في إثيوبيا ولكن أيضًا في جميع أنحاء شرق إفريقيا والقرن الإفريقي.

بصورة إجمالية، يجب على أوباما أن يكرر بحزم أن الاستقرار والأمن، واحترام حقوق الإنسان الأساسية، وشرعية المجتمع المدني ليست أهدافًا متبادلة حصرًا في إثيوبيا، أو في أي مكان آخر. بدلًا من ذلك، يجب أن يكون واضحًا - في كل من الخطاب والممارسة - أن هذه القضايا مجتمعة تساعد على تشكيل ركيزة ثابتة وطويلة الأجل لانخراط الولايات المتحدة في القارة الإفريقية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب