أوباما يتكلم عن الحرب والسلام

مقال رأي

 كان الرئيس أوباما في مزاج تأمليّ حين التقى بمجموعة من الصحفيين في البيت الأبيض، بعد ظهر يوم الأربعاء، بعد ساعات قليلة من إلقائه خطابًا حازمًا يدافع فيه عن الاتفاق الإيراني. وأوباما، في الجلسات الخاصّة، رواقي متجانس، حتى وهو يمضغ علكة النيكوريت ليظل متقدمًا عن نائب كبير في السن. لكن الإحباط – وهو الرسالة الأكبر لسياسته الخارجية والذي فُقِد في الغضب السياسي بشأن إيران - كان واضحًا. لقد أبان أن الاتفاق المقترح – المبادرة الأكثر طموحًا في السياسة الخارجية أثناء رئاسته – مفيدة بالنسبة إلى إيران بشكل أقل من خروج أمريكا عن مسار الحرب. ويعتقد أوباما، بشكل افتراضي، أن واشنطن كثيرًا ما نشرت بغير حكمة قواتها العسكرية باعتبارها أسرع حل للأزمات الدولية.

يبلور أوباما العديد من مبادراته في غرفة روزفلت، وهي غرفة متواضعة فيها طاولة اجتماعات وبلا نوافذ. وعندما تمَّ بناء الجناح الغربي، في عام 1902، كانت الغرفة في الأصل مكتبًا للرئيس. وقد وضِعت فيها صورة لفرانكلين روزفلت على أحد الجدران، وصورة لتيدي روزفلت في هيئة متسابق متحمِّس على صهوة جواد، فوق المدفأة. بيد أن القطعة الأكثر إثارة للدهشة في الغرفة أصغر من ذلك: جائزة نوبل لعام 1906، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها أمريكي والمرة الأولى التي يحصل فيها رئيس للولايات المتحدة أيضًا على الجائزة، مغطاة وراء الزجاج. لقد ذهبت نوبل 1906 إلى تيدي روزفلت لوساطته في وضع حد للحرب الروسية-اليابانية. وقد حصل عليها اثنان فقط من الرؤساء - وودرو ويلسون، لعصبة الأمم، وجيمي كارتر، بعد تركه لمنصبه، لتعزيز حقوق الإنسان -  قبل أن يفوز بها أوباما، بعد أشهر من انتخابه، وتقديرًا لروحه أكثر من أي إنجاز محدد. وإذ يدخل في الثمانية عشر شهرًا الأخيرة من رئاسته، فإنه، كما يبدو، يريد أن يثبت أنه يستحقها.

قرر أوباما أن يُلقي خطابه عن إيران في حرم الجامعة الأمريكية، حيث قال جون كينيدي في حفل تخرج عام 1963، "إن الولايات المتحدة، كما يعلم العالم، لن تبدأ حربًا أبدًا. لا نريد حربًا. ولا نتوقع حربًا الآن. لدى هذا الجيل من الأمريكيين بالفعل ما فيه الكفاية - وأكثر مما فيه الكافية – من الحرب والكراهية والظلم".

ربما هو الأستاذ الجامعي بداخله، لكن لا يبدو أن أوباما يستطيع أن يفهم لماذا يفسِّر بعض الأمريكيين الآن الدبلوماسية على أنها ضعف، لا سيما في ضوء التجربة الأخيرة للأمّة في هذا الصراع. قال أوباما في غرفة روزفلت: "إننا نقلل من قوتنا عندما نحصرها في قوتنا العسكرية فقط. وإننا نقلِّص من نفوذنا وقدرتنا على صياغة الأحداث حين تكون تلك هي الأداة الوحيدة التي نعتقد أننا نمتلكها في صندوق أدواتنا".

بعد ستة أعوام ونصف العام من بقائه في منصبه، قال أوباما إن هذه المناشدات الصارمة - لإعادة نشر القوات الأمريكية في العراق، أو لحشد حلف شمال الأطلسي كي يشن ضربات جوية ضد ليبيا - قد أقنعته أكثر من أي وقت مضى بالحاجة إلى إبقاء القوة كملاذ أخير. وقال إنه "من حيث القرارات التي أتخذها، لا أعتقد أن لدي فكرة أفضل بشأن الكيفية التي يؤدي بها العمل العسكري إلى عواقب غير مقصودة". "وأنا على قناعة في اعتقادي بأن الكثير من الأحكام يصدر على أساس النسب المئوية، ونحن لا نتخذ قرارًا في السياسة الخارجية - أو، فيما يتعلق بهذه المسألة، أي سياسة - بلا عواقب جانبية تمامًا، بالشكل الذي يمكننا وصفه بها. ... فدائمًا ما تكون هناك بعض التعقيدات".

انحنى الرئيس في كرسيه الجلدي إلى ما يصل إلى وسط الطاولة. وقال "لذلك ربما يكون في نفس الوقت الذي أكون فيه أكثر ثقة اليوم، أنا أيضًا أكثر تواضعًا". "وهذا جزء من السبب، عندما أرى مثل هذا الوضع، حيث يمكننا تحقيق هدف مع عالم موحد وراءنا - ونحن نحفاظ على تحوطنا حتى يتحقق ذلك -  أعتقد أنه سيكون من الغباء، بل ومن المأساوي، أن نضيع هكذا فرصة".

وقد أشار إلى أن سابقيه، سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين، قد استخدموا الدبلوماسية بنجاح لمنع انتشار الأسلحة النووية. وأضاف "انتُقِد كل من الرئيس كينيدي والرئيس ريغان بشدة من قِبل أطراف في مؤسسة السياسة الخارجية شعرت أنه من الضعف إشراك خصومنا". "وإن بعض ذلك لهو في صلب المعجم السياسي، فما يجعلك تبدو أكثر صرامة إذا لم تتحدث إلى شخص ما، وإنك، بدلًا عن ذلك، بصوت عال جدًا، تدير الأمر بعصًا غليظة. وأعتقد أيضًا أن هناك عقلية معينة كانت في الفترة التي سبقت حرب العراق لا تزال متواجدة حتى يومنا هذا. وإن بعض مَن تورطوا في هذا القرار إما أنهم لا يذكروا ما قالوه أو يعتذرون تمامًا عن النتائج".

بالمقارنة مع اتفاقات تاريخية من قبيل محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية ومعاهدات الحد من الأسلحة الاستراتيجية بالوساطة مع الاتحاد السوفياتي، ينظر أوباما إلى الاتفاق الإيراني باعتباره أحد أفضل اتفاقيات السلاح في نصف قرن. "في الاتفاقات السابقة – التي كانت بهذه الضخامة على الأقل -  كان علينا التنازل عن شيء ما". وأضاف "كان علينا تقييد أنفسنا بطرق كثيرة. وبهذا المعنى، كان هناك خطر أكبر. وفي حالتنا هذه، نحن لا نستسلم ثم نرد إذا أثبتت ايران أنها غير قادرة أو غير راغبة في الوفاء بالتزاماتها".

لا يعتذر أوباما عن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية، التي تعد مسؤولة - بشكل مباشر أو غير مباشر - عن مقتل الآلاف من الأمريكيين. ولا يزال ثلاثة إيرانيين أمريكيين محتجزين في إيران، كما اختفى عميل سابق لاف.بي.اي. على جزيرة إيرانية في عام 2007. ولا تعول الإدارة على إمكانية أن يغير الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني سياسة إيران – أو أن يحدث انفراجًا في العلاقات.

"لا يعتمد شيء في هذه الاتفاق على تحول في طبيعة النظام الإيراني"، قال أوباما. "وهو لا يمثل تقاربًا استراتيجيًا بين الولايات المتحدة وإيران. إنه قرار صلب ومتحوط ومدروس لاغتنام فرصة أفضل لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي".

تناول أوباما المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي يظل في السلطة من ربع قرن، في كلمته، وخصوصًا فيما يتعلق بإسرائيل. "إن أيديولوجيته غارقة مع معاداة السامية، وإذا كان يستطيع، من دون تكاليف كارثية، أن يلحق ضررًا كبيرًا بإسرائيل، فأنا على ثقة من أنه سيفعل ذلك". وعلى الرغم من هذا، أضاف "من الممكن أن يكون لدى القادة أو الأنظمة صرامة وتعصب وتحول في وجهات نظرهم للعالم، مع عملهم من أجل حسابات عقلانية فيما يتعلق بحدودهم وحفاظهم على ذواتهم. وما رأيناه، على الأقل منذ عام 1979، هو أن إيران تحقق قرارات ثابتة ومدروسة تسمح لها بالحفاظ على النظام، وبتوسيع نفوذها حيث أمكنها ذلك، وبأن تكون انتهازية، ومن أجل خلق ما تراه تحوطًا ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل، على حزب الله وووكلائها الآخرين في المنطقة".

كما حذر الرئيسُ الكونغرس من أنه إذا رفض الاتفاق، ستكون الفصائل الأكثر تشددًا هي المستفيد الأكبر في طهران.

سألت الرئيس عن الطريقة التي تعاطى بها مع الهتافات المستمرة بـ "الموت لأمريكا" من قِبل الحشود الإيرانية خلال الأشهر العشرين من المفاوضات الصعبة. "إنه ليس من الجذاب التعامل مع الدول التي تعبّر عن كراهيتها لنا. ولم يكن من السهل التفاوض على اتفاقات تسلح مع ند عسكري مقارب لنا" - أي الاتحاد السوفيتي - " قادر على نسف كل مدينة أمريكية". "ولكن، عندما يتعلق الأمر باتفاقات الحد من التسلح، أو اتفاقات منع الانتشار النووي، أنت تتعامل عادة مع هؤلاء الناس. ليس عليّ التفاوض على اتفاق أسلحة مع بريطانيا العظمى أو مع فرنسا".

وقد أشار إلى أن الصين لا تزال تستخدم خطابًا هجوميًا للغاية عن الولايات المتحدة "على أساس مستمر" في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. وأضاف "لكن لا أحد يشير إلى أنه ليس علينا أن نتحدث ونحاول حل النزاعات". "وينطبق الشيء نفسه، كما هو واضح، مع روسيا وخاصَة الآن، في ظل حكم بوتين".

قارن أوباما التصريحات الإيرانية بالتهكمات المدرسية. "إن جزءًا من الفرضية الأساسية التي تقف وراء شعور الناس بأنه لا يجب علينا أن نتناقش مع هكذا أناس هي أننا أكبر منهم، لأننا إذا وجهنا ضربة عسكرية، سنكون قادرين على إبادتهم. هناك قليل من هذا في الموقف المدرسي؛ إنه من المفهوم أن تواجه شخصًا في مثل حجمك. لكن إذا كان الشخص ضئيلًا، فإنه يجب عليك صفعه فقط. وهي نصيحة سيئة في السياق المدرسي. وبالتأكيد ليست وسيلة جيدة لعمل السياسة الخارجية".

سيكون شهر سبتمبر حاسمًا فيما يتعلق بطموحات أوباما السياسة. ومن المقرر أن يصوت الكونغرس في موعد أقصاه 17 سبتمبر على ما إذا كان سيوافق على الاتفاق. وإذا مرر الجمهوريون قرارًا بالرفض، فإن الرئيس سيسعى بعد ذلك لإسقاطه عن طريق استخدامه لحق الفيتو، ومن ثم سيعاد التصويت مرة أخرى. ولمنع التجاوز، سيحتاج البيت الابيض إلى كسب تأييد أكثر من ثلث النواب في كل من الكونغرس ومجلس الشيوخ. وإن توقيت ضيق. ومن المقرر أن يلقي أوباما كلمة في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 سبتمبر، في نفس اليوم الذي سيلقي فيه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، كلمته. وسيكون من المحرج للغاية أن يذهب للرئيس أمام الأمم المتحدة في حين لا يزال يكافح للحصول على الموافقة بشأن الاتفاق. لقد قال أوباما إنه يتوقع أن يفوز بالتصويت: "في نهاية المطاف. أنا أقل قلقًا بشأن كسب النقاط، وأكثر قلقًا فيما يتعلق بتمرير الأمر".

سترغب الإدارة في استخدام هذا التجمع لزعماء العالم في كشف الكيفية التي تم بها بناء سابقة تعاونية بين القوى الست الكبرى في التفاوض مع إيران، والسعي لتطبيقه على مناطق حساسة أخرى. وقد دعا فلاديمير بوتين الشهر الماضي لبحث إمكانية دبلوماسية جديدة، لا سيما فيما يتعلق بسوريا. وقد كان الروس متعاونين رئيسين في مفاوضات إيران، على الرغم من وجود توترات مع واشنطن بشأن أوكرانيا.

قال أوباما "لا أعتقد أن النافذة قد فتحت من أجل حل سياسي في سوريا". "وذلك جزئيًا لأن كلًا من روسيا وإيران، كما أعتقد، تدرك أن خطوط الاتجاه ليست جيدة بالنسبة إلى الأسد. لم يكن أحد من هؤلاء الرعاة عاطفي بشكل خاص. ولا يبدو أنهم يشعرون بالقلق إزاء الكارثة الإنسانية الناجمة عن الأسد وعن هذا الصراع، منذ السنوات القليلة الماضية. لكنهم يشعرون بالقلق من احتمال انهيار الدولة السورية. وهذا يعني، كما أعتقد، احتمالية لمناقشات أكثر جدية مما كان عليه الوضع في الماضي".

وأضاف: "إن كيفية تنفيذ عملية انتقال فعلي أمر صعب جدًا. فأقوى قوى المعارضة على الأرض هي المنظمات الإرهابية الشرسة التي تقوم باستمرار بدمج الناس الذين يريدون التخلص من النظام القمعي. وأن تكون قادرًا على فرز الأمور من خلال حكومة تمثيلية يبدو – ما من شأنه أن يعطي السنة داخل سوريا شعورًا بمكانهم الصحيح على الطاولة، مع الحفاظ على حماية العلويين والدروز والمسيحيين بعد الكثير من سفك الدماء – أن سيكون أمرًا صعبًا. وأن تدرك إيران وسوريا ضعف الأسد لا يعني بالضرورة أن الأسد سيعترفب نقاط ضعفه". واستبعد أوباما توقع تحقيق انفراجة في أي وقت قريب. وأضاف "لكن أعتقد أن المحادثات هي أكثر جدية الآن مما كانت عليه في وقت سابق".

وسيكون على إيران أن تكون جزءًا من الحل. "ليس هناك طريق لحل الأزمة في سوريا بدون إشراك إيران، نظرًا لتمويلها للأسد وحقيقة أن حزب الله هو على الأرجح القوة القتالية الأكثر فعالية التي يعتمد عليها الأسد".

سألته إذا كان للأمم المتحدة أن تكون أول مكان يجتمع فيه مع الرئيس روحاني وجهًا لوجه. فلسنوات، وضع الرئيس الأمريكي والإيراني على التوالي استراتيجيات مفصّلة لتجنب بعضهما البعض في نيويورك.

قال أوباما "أنا لن أخمن". "لأن هذا ليس مجرد قرار نتخذه. ومن الواضح أن طهران لديها قناعاتها المتشددة وسياساتها. وواحدة من الأشياء المثيرة للاهتمام في جميع أنحاء هذا النقاش، قبل أن أعلن أن اتفاقًا قد تم التوصل إليه أخيرًا، كانت الدرجة التي قال بها بعض النقاد هنا إن النظام الإيراني لا يمكن الاعتماد عليها، وأنه بوجهين، ولا يمكن التفاوض معه تشبه التصريحات التي أدلى بها المرشد الأعلى أو أشخاص ما في البرلمان الإيراني، وليس التفكير في حقيقة أنهم قد يكونوا سياسيين، لديهم حتياجاتهم السياسية الخاصة. وسيتستمر ذلك حتى بعد توقيع الاتفاق".

وحين تأهب الرئيس للرحيل، سألت سؤالي الأخير. "ما الذي كان أكثر صوبة - أوباما كير أم الاتفاق الإيراني؟".

لقد ذهل. قال "لا شيء سهل في هذه المدينة". وأضاف "لكن ذلك كله يستحق العناء".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب