الآثار المترتّبة على الحرب التركية ضد حزب العمال الكردستاني

مقال رأي

زاد الانهيار الأخير الذي شهدته محادثات تشكيل حكومة انتقالية في تركيا بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الشعب الجمهوري» من فرص إجراء انتخابات مبكرة في البلاد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتُعدّ المناورات السياسية المحلية عاملأً مهمأً أيضاً في سياسة أنقرة المتغيرة بشأن «حزب العمال الكردستاني» («الحزب»/«الجماعة»). ففي 24 تموز/يوليو، بدأت تركيا بحملة قصفٍ تستهدف معاقل «الحزب» في العراق - وهو تطوّرٌ أعقبَ قيام «حزب العمال الكردستاني» بقتل ثلاثةً من ضباط الشرطة والجيش التركي في 20 و 22 تموز/يوليو. والآن وقد انتهى وقف إطلاق النار الذي دام عامين، فمن الذي سيظفر في هذه المعركة، وما هي الآثار المترتبة لذلك على سياسة الولايات المتحدة؟

الخلفية

تَعتبِر الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وأنقرة أن «حزب العمال الكردستاني» هو منظمة إرهابية. وقد خاضت تركيا حربأً ضد «الحزب» دامت ما يقرب من أربعة عقود، قبل دخولها في مفاوضات سلام رسمية مع مؤسسه عبدالله أوجلان عام 2012. ولا يزال أوجلان، الذي يقبع في السجن منذ عام 1999، شخصية ذات جاذبية تفرض وجودها وتتمتّع بنفوذ هائل في «حزب العمال الكردستاني» والحركة القومية الكردية الأوسع في تركيا. وكانت أنقرة تأمل في أنّ تسفر المحادثات مع «حزب العمال الكردستاني» في إيصال القضية إلى حلّ سلمي وتساعد في نزع فتيل التوتر مع فرعه السوري - «حزب الاتحاد الديمقراطي» - الذي يسيطر على عدد من البُقع على طول الحدود. وقد برز «حزب الاتحاد الديمقراطي» إلى الواجهة في الآونة الأخيرة عبر قتاله ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» والذي تجلّى بارزأً في الحملة التي دعمتها الولايات المتحدة للدفاع عن مدينة كوباني.

ومع ذلك، ففي 20 تموز/ يوليو، أثار هجومان قاتلان ردّ فعل تركي. فقد أودى تفجير انتحاري تبنّاه تنظيم «الدولة الإسلامية» واستهدف بلدة سروج الكردية في تركيا، التي تقع على الحدود مع كوباني، بحياة 32 شخصأً، مما سرّع قرار أنقرة بالسماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد التركية لشنّ غارات ضدّ أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا بعد أكثر من عامٍ من المفاوضات حول هذه المسألة. وفي اليوم نفسه، قتل «حزب العمال الكردستاني» ضابطأً عسكريأً وأصاب جنديين في محافظة أديامان جنوب شرق البلاد، وجاءالاعتداءَ بعد يومين من مقتل ضابطَي شرطة في بلدة تقع قرب سروج وتُدعى جيلان بينار. وقد زعم «حزب العمال الكردستاني» أنّ الضباط كانوا متواطئين في الهجوم الذي شنّه تنظيم «داعش» في سروج. وردّأً على ذلك، شنّت أنقرة سلسلة من الهجمات في 24 تموز/يوليو استهدفت «الحزب»، فقصفت قواعده على طول جبال قنديل داخل منطقة «حكومة إقليم كردستان» في العراق. وردّ «حزب العمال الكردستاني» عبر زيادة هجماته، الأمر الذي أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن 21 من ضباط الأمن التركي منذ ذلك الحين.

وعلى الرغم من تنامي أعمال العنف، لا يبدو أنّ تركيا سوف تدخل مرحلة كارثية من سفك الدماء، على غرار ما حصل في التسعينيات، عندما أودى الصراع مع «حزب العمال الكردستاني» بحياة المئات شهريأً. وبالأحرى، يبدو أنّ البلاد تشهد فترةً من الصراع المضبوط، حيث لا يسعى «الحزب» ولا الحكومة إلى التصعيد نحو حرب شاملة.

دوافع تركيا و «حزب العمال الكردستاني»

في ذروة القتال بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني»، كانت أنقرة تعمد عادةً إلى شنّ عمليات عابرة للحدود ضدّ معسكرات «الحزب» في عمق «إقليم كردستان»، فتلحق أضرارأً جسيمة في بناه التحتية وأفراده. أمّا اليوم، فتكتفي تركيا بالغارات الجوية، وليس هناك دليل على أنّ هذه الهجمات تشلّ «الجماعة» أو تودي بحياة الكثير من أعضائها.

ويبدو أنّ هدف أنقرة الرئيسي من هذه العملية هو إضعاف «حزب العمال الكردستاني». وقد أكّد بعض المحللين الأتراك أنّ «الحزب» استفاد من محادثات السلام لكي يؤسّس "دولة سرية" في جنوب شرق تركيا، يكمّلها الاعتماد على المحاكم ومكاتب الضرائب التي يديرها الأكراد و«الجماعة»، مما يشكّل في الواقع البنية التحتية الأولية لحكم ذاتي كردي محتمل في المستقبل في تركيا. ويعتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان و«حزب العدالة والتنمية» ومختلف صنّاع القرار غير الحزبيين أنّ من شأن الضربات المحدودة أن تضغط على «الجماعة» للعودة إلى طاولة المفاوضات من موقف ضعيف، كما فعلت في الماضي.

وعلى الرغم من أنّ «حزب العمال الكردستاني» قد أنهى فعليأً وقف إطلاق النار عبر قتله ضباطأً أتراكأً، يبدو أنّ له دوافعه الخاصة لضبط العنف. ففي التسعينيات، شنّ «الحزب» مجموعة من الهجمات الصارخة، كالاستيلاء مؤقتأً على بلدات ذات أغلبية كردية في جنوب شرق البلاد، وزرع العبوات الناسفة في مراكز التسوّق، وتنفيذ هجمات انتحارية وعمليات إعدام جماعية بحقّ جنودٍ أتراك، وقد أثارت جميعها سخط الرأي العام التركي. أمّا اليوم، فيبدو أنّ «الجماعة» تتجنّب مثل هذه الأساليب المهيّجة.

ربما ينبع "ضبط النفس" الواضح من رغبة «حزب العمال الكردستاني» في تعزيز موقعه العسكري في قلب الحركة القومية الكردية في تركيا. وفي الآونة الأخيرة، قطع الجناح السياسي للحركة شوطأً كبيرأً عن طريق «حزب الشعوب الديمقراطي» أو ما يسمى أيضاً بـ («حزب ديمقراطية الشعوب»). فمن خلال دمج مختلف العناصر الليبرالية واليسارية، ازداد الدعم الذي يحظى به «حزب الشعوب الديمقراطي» بأكثر من الضعف، ليرتفع من 6.5 في المائة من الأصوات في انتخابات عام 2011 إلى أكثر من 13 في المائة في الانتخابات البرلمانية في حزيران/يونيو 2015. وقد تُرجم هذا الازدياد إلى 80 مقعدأً من أصل 550 في المجلس التشريعي التركي، مما منح «حزب ديمقراطية الشعوب» ثالث أكبر كتلة [في "المجلس"] وأقامه قوةً سلمية لا يُستهان بها في السياسة التركية. واليوم، يهدف «حزب العمال الكردستاني»، من خلال اعتماده مجددأً على أعمال العنف في الحركة الكردية، إلى سحب البساط من تحت «حزب الشعوب الديمقراطي» وقائده ذو الشخصية الجاذبة صلاح الدين دمرتاش.

الفائزون المحتملون في الصراع المضبوط

إذا ظلّ القتال محدودأً وانتهى في قت قريب، فقد يعزّز كلّأً من أردوغان وأوجلان. وقد يظهر أردوغان بمظهر الرجل القوي الذي "هزم «حزب العمال الكردستاني»"، الأمر الذي من شأنه أن يساعد «حزب العدالة والتنمية» الذي يرأسه، إذا أُجريت انتخابات مبكرة في تشرين الثاني/نوفمبر، كما يبدو محتملأً الآن، نظرأً إلى فشل المحادثات مع «حزب الشعب الجمهوري» من أجل تشكيل حكومة ائتلافية.

أمّا أوجلان، فلم يتحدث علناً ​​ضد القتال حتى الآن. ومع ذلك، ليس هناك شك في أنّ أعمال العنف التي يتبنّاها «حزب العمال الكردستاني» يمكن أن تنتهي فورأً إذا ما دعا إلى وقفها في المدى القريب. ومن شأن ذلك أن يعيد إحكام قبضة أوجلان على الحركة الكردية ويثبت للأتراك أنّه الوحيد القادر على تحقيق السلام؛ وقد يصبح مرة أخرى محاور أردوغان في المفاوضات.

ويكمن الخطر الذي يحيق بأوجلان في إمكانية خروج أعمال العنف عن السيطرة في الأشهر المقبلة. وحتى لو كان قادرأً على وضع حدٍ لسفك الدماء، فإنّ العديد من الأتراك قد يرفضون قبوله مجددأً في أن يضطلع بأيّ دور في محادثات السلام المستقبلية. كذلك، يمكن أن تنخفض أسهم «حزب العدالة والتنمية» الذي يرأسه أردوغان في استطلاعات الرأي إذا تحوّل القتال إلى حرب شاملة، وإذا ارتفعت في المقابل أسهم «حزب الحركة القومية» المعروف أيضاً بـ «حزب العمل القومي».

ونظرأً إلى هذه المخاطر، من المحتمل أن يدعو أوجلان إلى وضع حد لأعمال العنف عاجلأً وليس آجلأً، وقبل تشرين الثاني/نوفمبر في أغلب الظنّ.  ويمكن أن يشكّل ذلك بدوره حجر عثرة في طريق «حزب العدالة والتنمية» في استطلاعات الرأي المؤدية إلى انتخابات مبكرة.

الآثار المترتبة على واشنطن

في الوقت الحالي، توافق واشنطن على الحملة التي تشنّها أنقرة ضدّ «حزب العمال الكردستاني» بوصفها ثمنأً تدفعه مقابل الدعم التركي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». بيد، كانت الولايات المتحدة منخرطة بقوة من الهامش في عملية المصالحة بين تركيا و«الحزب»، وهي بالتأكيد غير مسرورة لرؤية الخطر يحيق ثانية بالعملية برمّتها.

وعلى نطاق أوسع، بينما ستواصل واشنطن الدفاع عن حقّ تركيا في حماية نفسها من اعتداءات «حزب العمال الكردستاني»، سترسم أيضأً خطأً فاصلأً بين الهجمات التي تستهدف «الجماعة» وتلك التي تستهدف «حزب الاتحاد الديمقراطي»، الذي لا يزال فصيلأً مقاتلأً نشِطأً في وجه تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا. إن واشنطن مسرورة من انضمام تركيا إلى ركب الأطراف التي تقاتل «داعش» - وفي 12 آب/أغسطس، أقلعت الطائرات الأمريكية من قاعدة إنجرليك التركية لقصف أهدافٍ لـ تنظيم «الدولة الإسلامية». ومع هذا، إن ذلك لا يعني أنّ صنّاع السياسة الأمريكيين سوف يتخلّون تمامأً عن «حزب الاتحاد الديمقراطي» مقابل الدعم التركي. ووفقاً لذلك، ستضغط واشنطن على أنقرة لكي لا تستهدف معاقل «حزب الاتحاد الديمقراطي». إن النتيجة غير المقصودة التي ستتمخّض عن هذه السياسة هي أنّها قد تؤدي إلى تصدّعاتٍ بين «حزب العمال الكردستاني» و «حزب الاتحاد الديمقراطي»، وهذا تطوّرٌ سترحّب به كلٌ من أنقرة وواشنطن.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy