الحنين إلى الماضي الإمبراطوري

مقال رأي

 هناك بلا شك أساتذة ماركسيون، في المكتبات الموجودة حول العالم، يحرصون على التحدث مطوَّلًا عن شرور الإمبريالية الأمريكية. لكن نجدهم فقط في تركيا، على ما يبدو، متلهفين تمامًا على إبقاء الإمبريالية العثمانية باعتبارها البديل الأكثر استنارة: سيطرت الإمبراطوريتان الأمريكية والبريطانية على الشرق الأوسط من خلال القوة العسكرية بشكل بحت لاستغلال موارد المنطقة، بينما حصل العثمانيون، على النقيض من ذلك، على موافقة المحكومين عن طريق توفير الاستقرار والعدالة والازدهار لهم. حقًا، في ضوء الممارسات السياسية الشاملة للحكومة العثمانية، يمكن بصعوبة أن نسميها إمبراطورية على الإطلاق.

يمكن لأمريكي أكثر ثقة في مقدرته على ترجمة عبارة "ترسانة الديمقراطية" أن يقاوم ذلك بأنه كان لدى الولايات المتحدة حقًا الإمبراطورية الأكبر التي لم تكن إمبراطورية على الإطلاق. فعلى أية حال، كانت الإمبراطورية الأمريكية إمبراطورية الحرية، التي أقيمت عن طريق الدعوة، و، ربما، قد رحِّب بها من جميع أنحاء العالم لتحل محل الفوضى ومن أجل النظام والثروة.

هناك تاريخ طويل من هؤلاء الذين يناصرون الإمبريالية كبديل أكثر تحضرًا عن عدم الاستقرار العنيف –وهناك تقليد طويل بنفس القدر من الجدل المرتبط بأي إمبراطورية قد فعلت ذلك بشكل أفضل. تعتمد العديد من هذه الحجج، مثل تلك المذكورة أعلاه، على قراءات انتقائية للتاريخ تقلل من شأن أو تتجاهل دور الإكراه العنيف في الحكم الإمبراطوري. وعلى نحو رومانسي بما فيه الكفاية، يمكن لهذا النوع من الحنين إلى الماضي الإمبراطوري أن ينظَم لدعم المقترحات الليبرالية الجوهرية لإقامة السلام والنظام الدولي، من قبيل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. انظر في مهنة أوتو فون هابسبورغ: ولد وليًا لعهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، وأصبح لاحقًا المدافع الأول عن التكامل الأوروبي، واستند إلى النجاح المفترض لحكم هابسبورغ أثناء خدمته كرئيس للاتحاد الدولي لعموم أوروبا وكعضو بارز في البرلمان الأوروبي للاتحاد الأوروبي.

لكن في مواجهة عدم الاستقرار العالمي، توجه آخرون نحو شيء آخر، نسخة أكثر واقعية من الحنين إلى الماضي الإمبراطوري، تعتنق الاعتماد الإمبريالي على العنف من أجل القول بأنه القوة الوحيدة التي يمكن أن تأتي بنظام مطلوب بشدة في عالم محفوف بالمخاطر. ليست تلك مجادلة لإعادة غزو معاصرة للعالم غير الغربي، بطبيعة الحال. لكن يعتمد الكثير من الناس على الماضي الإمبراطوري لتبرير إيمانهم بأن القوة العسكرية الأمريكية قادرة على التعامل بشكل موثوق مع دول العالم الثالث المتمردة. وخلافًا للبديل الأقل عنفًا، تسعى هذه النسخة من الحنين إلى الماضي الإمبراطوري إلى استباق الانتقادات الليبرالية حول أهوال الإمبراطورية بنداء من أجل واقعية سياسية فولاذية العينين.

ما لا يقل عن الحنين الوردي إلى الماضي الإمبراطوري، على الرغم من ذلك، هو تجاهل ترسيخ القوة لحقيقة أن معظم الإمبرياليين قد نجحوا باستخدام مزيج من الموافقة والإكراه محسوب بعناية وفقًا للشروط التي تواجههم. والأكثر أهمية أنه قد ازدهرت الإمبريالية الغربية، لبعض الوقت، من خلال المحافظة على تمييز واضح بين نواحي الإكراه ونواحي الموافقة - وهذا هو، التمييز بين مناطق العالم الثالث الأكثر ضعفًا التي يمكن أن يُسيطر عليها بالقوة وخصوم الإمبريالية الأكثر قوة الذين يتطلب التعاطي معهم حذرًا دبلوماسيًا وتعاونًا منسقًا تنسيقًا جيدًا.

ومشكلة الإمبرياليين الجدد اليوم هو أنه ليس من الواضح على الإطلاق أين ينبغي عليهم الحفاظ على هذا الخط. على سبيل المثال، ساعد تهديد القوة العسكرية الأمريكية في إنهاء البرنامج النووي في ليبيا، لكنه يبقى غير ذي صلة إلى حد كبير في التصدي للخطر الأكبر بكثير الذي تشكله باكستان النووية. ويُعكس النقاش الدائر حول الطريقة المثلى للتعامل مع الطموحات النووية الايرانية في جزء التصورات المتباينة الموجودة حول ماهية الإكراه الفعال في حالة إيران.

يميل الحنين إلى الماضي الإمبراطوري بطبيعة الحال إلى التركيز على الإمبراطوريات التي كانت سائدة. لكن، كما يكشف التاريخ الدموي لأوروبا الشرقية والبلقان خاصة، محاولة إقامة إمبراطورية في المكان الخطأ وحكم الناس الخطأ بالإكراه يمكن أن يكون له عواقب وخيمة. وهذا هو السبب، منزوع عن أي حنين إلى الماضي، في أن تاريخ الإمبريالية، بنجاحاته وإخفاقاته، يقدم حجة براغماتية مثير للدهشة في تعددية أكبر وإمبريالية أقل في السياسة الخارجية اليوم.

العصر الذهبي

كان العصر الذهبي للإمبريالية الأوروبية، وفقًا للمعايير المنخفضة التي عينها الأوروبيين لأنفسهم، هو العصر الذهبي للتعاون الأوروبي أيضًا. كما لوحظ في كثير من الأحيان، بنت كل من المملكة المتحدة وفرنسا إمبراطوريتهما خلال قرن عندما منعت "حفلة أوروبا" التي يشاد بها كثيرًا صراعًا مفتوحًا في القارة. ولبعض الوقت، قبل خفوت السلام، حافظت القوى الأوروبية على حكم العالم من خلال جلب النظام إلى المستعمرات تحت تهديد السلاح والحفاظ عليه فيما بينها من خلال دبلوماسية ذكية.

مع روسيا، على سبيل المثال، المنافس الإمبراطوري لإنجلترا لجزء كبير من هذا القرن، اندلع صراع مفتوح مرة واحدة فقط، وباختصار شديد، خلال حرب القرم. وحتى لو كانت، كما يشير كثيرون، الحرب العالمية الأولى قد اندلعت إما لأن ألمانيا أرادت أكبر قطعة من الكعكة الإمبريالية أو لأن النهج العسكري المركزي لحكم الإمبراطورية قد استهلك في نهاية المطاف جميع الجهات المعنية، فإن ذلك لا ينفي كليًا دور التعاون الإمبراطوري. لقد فازت المملكة المتحدة في الحرب، جزئيًا، لأنها كانت على استعداد كاف على مدى القرن الماضي لتقاسم غنائم النظام الإمبراطوري مع الولايات المتحدة، مما يتيح للولايات المتحدة مصلحة في التوصل إلى إنقاذ ما.

بنت الولايات المتحدة بدورها وصانت قوتها العالمية من خلال إدارة ماهرة للتمييز بين الأماكن التي تعتمد إلى حد كبير على الإكراه بالقوة وتلك التي ينبغي أن تنتهج فيها نهجًا أكثر تعاونًا. تيدي روزفلت، على سبيل المثال، كان أمميًا ملتزمًا ساعد في بناء إمبراطورية الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية. وقد ساد تمييز مماثل خلال الحرب الباردة: في أوروبا الغربية، جاء نفوذ الولايات المتحدة على شكل حلف شمال الأطلسي. في حين حاول السوفييت، وفشلوا حكم أوروبا الشرقية بالقوة، استخدمت واشنطن حلف شمال الأطلسي لإقامة "إمبراطورية عن طريق الدعوة" بشكل حقيقي. وعندما انسحبت فرنسا من هيكل قيادة حلف شمال الاطلسي في عام 1966، وهو المثال الأكثر شهرة، فإن الولايات المتحدة لم ترسل دبابات إلى باريس مثلما فعل السوفييت في بودابست وبراغ.

في العالم الثالث، حافظت واشنطن، نظرًا لخطابها المناهض للإمبريالية، على شيء أقرب إلى النظام الإمبراطوري التقليدي، فاعتمدت على الانقلابات والاغتيالات، وفي بعض الأحيان، اجتياح تام للحفاظ على قوة الولايات المتحدة. ولم يكن أحد أكثر مرارة نتيجة النفاق الأمريكي المناهض للإمبريالية من المسؤولين الاستعماريين البريطانين، وكثير منهم قضى بدايات الحرب الباردة في كتابة المذكرات للشكوى من سرقة واشنطن لإمبراطوريتهم. وقد أشار بعضهم إلى أن الولايات المتحدة حين قدمت نفسها بوصفها قوة معادية للإمبريالية في العالم، لم تكن أفضل من اليابان الإمبراطورية، التي كانت أطرت طموحاتها الاستعمارية في الخطاب المناهض للإمبريالية في مجال الرخاء المشترك الشرق آسيوي.

والنقطة هنا، رغم ذلك، ليست عن نفاق الولايات المتحدة. بدلًا من ذلك، وبعد وضع الخطابة جانبًا، يصبح من الواضح أنه أيًا كان ما قالوه، لقد حافظ صناع السياسة الأمريكيون على شعور واضح إلى حد ما بخصوص أين يمكنهم أن يعتمدوا على القهر وأين سيكون من الأفضل اتخاذ نهج أكثر تعاونًا. ويجب أن يكون الإمبرياليين الجدد المدفوعين بسياسة الواقعية قادرين على الاستفادة من مثل هذه الفجوة. في خلاصة الأمر، لم تحول الإمبراطورية البريطانية نفسها إلى كومنويلث لأن قادتها تذبذبوا تجاه ذلك، وقد بنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الكومنويلث لأنه يهتم بالثروة المشتركة. بدلًا من ذلك، حدثت هذه التحولات لاختفاء التفاوت الكبير في القوة الذي جعل من الممكن للقوى الإمبريالية حكم مساحات واسعة من العالم، ومن ثم كانت تلك القوى الإمبريالية في حاجة إلى التوصل إلى خطة جديدة.

دروس الإمبراطورية

يحتاج المعجبون الواقعيون بالإمبريالية إلى أن ينظروا إلى أبعد من أوروبا الشرقية والبلقان للعثور على مثال من مخاطر الغموض بشأن من هو قابل للاستعمار ومن ليس كذلك. بالإضافة إلى ارتباطها بأسوأ تجاوزات القومية الحديثة، شهدت هذه المنطقة أشكال العنف العثمانية والنمساوية والمجرية والألمانية والحكم السوفيتي أثناء القرن العشرين. أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، دفع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون بتقرير المصير الوطني ضد الامبريالية في منطقة البلقان وأوروبا الشرقية. في حين ركزت الدعاية الألمانية بطبيعة الحال على المستعمرات البريطانية والفرنسية وراء البحار. وقد ساعد انتصار الحلفاء في الحرب، إلى جانب الفوارق في السلطة والعنصرية الغربية السائدة، في ترسيخ الإجماع، لبعض الوقت، على الأقل، وقد كان ذلك الحكم الامبراطوري مناسبة لأفريقيا وآسيا، ولكن ليس من أجل ما كان يعتبر الجزء الأكثر تخلفًا من القارة الأوروبية. وجاءت عصبة الأمم تكافح هذا التوتر بين الإمبريالية والأممية منذ البداية، لكن المشاكل الحقيقية كانت عندما رفضت ألمانيا النازية قبول إجماع أوروبا الجديد بشأن من هم قابلين للاستعمار. وكما هو مفصل في كتاب البروفيسور مارك مازور: إمبراطورية هتلر، تسلح الألمان بشكلهم المعاد من العنصرية، وسعوا إلى فرض نظامهم الإمبراطوري بعنف على أوروبا الشرقية والبلقان، ثم في النهاية كل أوروبا.

كان الحكم الألماني في منطقة البلقان كارثة أخلاقية وقصير الأجل جدًا. ما هو أكثر من ذلك، أدت الاضطرابات الناجمة عن فشله مباشرة إلى إنشاء إمبراطورية سوفيتية في المنطقة والحرب الباردة. وكانت موسكو قادرة على الحفاظ على بعض السلطة تحت تهديد السلاح، ولكن إمبراطوريتها استمرت بالكاد نصف قرن في وجه المعارضة الشعبية. وعلى سبيل المقارنة، استمرت الإمبراطوريات الأوروبية في العالم الثالث أكثر من قرن في بعض الحالات، قبل أن يفقد الأوروبيون تخمة القوة اللازمة للحفاظ عليها. وفي أوروبا، لم يحقق الألمان والروس ذلك تمامًا، وكانت إمبراطورياتهم غير قادرة على الحكم من خلال الموافقة أو الإكراه، ومن ثم كانت نهايتهم أسرع بكثير.

لم تكن الإمبراطورية النمساوية المجرية نسخة القرن التاسع عشر من الاتحاد الأوروبي، ولا شكلت الإمبراطورية العثمانية نموذجًا للتسامح الليبرالي الذي يتصور بعض المعجبين بها أحيانًا أنه كان موجودًا. لكنه لم تكن أيضًا بالوحشية والاستبدادية والتعطش للدماء بالشكل الذي يذكر في الكتابات التاريخية البلقانية الغاضبة أو خطب الإسلاموفوبيا. ضمنت هذه الإمبراطوريات، مثل الولايات المتحدة اليوم، قدرًا من الاستقرار والتكامل الإقليمي من خلال الجمع بين الإكراه والموافقة. وإن محو العنف من تاريخ أي إمبراطورية لا يقل عبثية عن تبني العنف كمسار لاستقرار ما بعد كولونيالي تحت غطاء من الواقعية. والتحدي المتمثل في ضمان العدالة والنظام في عالم فوضوي غير مشجع بما فيه الكفاية دون تشتيت الانتباه عن هكذا أوهام.

والأهم من ذلك هو تقلص الجزء الذي يمكن أن يسيطر عليه من خلال القوة وحدها في عالمنا خلال القرن الماضي. إنه الدرس الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق وليبيا – والحكومة التركية، التي أخذ اكتشافها الحديث للحنين إلى الماضي الإمبراطوري موقعة من القوة، تخاطر بتعلم ذلك في سوريا. إن أولئك الذين يسعون للحفاظ على النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة عليهم النظر نحو الاستراتيجيات التي لحقت بها في المناطق التي أدرك الساسة الأمريكيون أن الإكراه لن يكون كافيًا فيها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب