القاعدة تخسر معركة الفوز بقلوب وعقول الجهاديين

مقال رأي

 يحاول الإرهابيون عادةً البقاء في الأخبار، لكن أيمن الظواهري بدا استثناءً. مر حوالي عام منذ أن نشر زعيم القاعدة آخر بياناته، قبل أن يكسر صمته الخميس الماضي. لكن تصريحات الزعيم الإرهابي كانت مخيبة كما كانت متأخرة. أعلن الظواهري ولاءه للملا أختر محمد عمر، زعيم طالبان الجديد، لكن عدا ذلك لم يحتو بيانه على شيءٍ ذي قيمة.

حدث الكثير في عالم الجهاد منذ آخر بيان للظواهري في سبتمبر 2014: وفاة ناصر الوحيشي زعيم تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، والذي كان يعتبر على نطاقٍ واسع الرجل الثاني في تنظيم القاعدة وكان يحظى بعلاقاتٍ شخصية قوية مع الظواهري وسلفه أسامة بن لادن؛ وفاة اثنين آخرين من قادة القاعدة الكبار، على الأغلب في ضرباتٍ جوية أمريكية؛ استمرار صعود تنظيم الدولة الإسلامية كتهديدٍ مباشر لقيادة القاعدة لحركة الجهاد العالمي؛ قرار السعودية بالتدخل في الحرب الأهلية اليمنية؛ و بالطبع اكتشاف أن الملا عمر زعيم طالبان كان على ما يبدو ميتا طوال العامين الماضيين.

لكن الظواهري لم يتناول أيا من تلك القضايا في رسالته. رغم أنه تلا قائمةً طويلة من الرفاق الذين سقطوا في المعركة مشيدا بهم وناعتا إياهم بالشهداء، فقد كان من الغريب أنه لم يذكر الوحيشي أو أيا من الآخرين الذين ماتوا في السنة الماضية. لكنه تأكد من تضمين أبو مصعب الزرقاوي، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق، وهو التنظيم الذي يعرف حاليا بالدولة الإسلامية، وخليفته أبو حمزة المهاجر، بصورةٍ صريحة في قائمته للشهداء العظماء (بعد بن لادن ذاته، في الواقع) فيما يشير إليه المحلل توماس جوسلين على أنه إشارة ٌحادة موجهة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والذي انشق عن القاعدة ورفض سلطة الظواهري. عبر تضمين الظواهري وخليفته في قائمة شهداء القاعدة المدعين بعد بن لادن تماما، يزعم الظواهري أن زعماء تنظيم القاعدة في العراق كانوا تابعين له، ليوضح أنه رغم اختلافاتهم، فإن الزرقاوي والمهاجر كانا عضوين بالقاعدة وماتا من أجل قضية القاعدة – وبالتالي الظواهري. الرسالة إلى أبو بكر البغدادي وأتباعه في تنظيم الدولة الإسلامية واضحة: لقد خنتم القضية التي ضحى من أجلها مؤسسي تنظيمكم بأرواحهم.

لم يتناول الظواهري أيضا القضية الشائكة نوعا ما بشأن ما إذا كان يعلم طوال الوقت أن الملا عمر قد توفي منذ عامين. الأمر سيء بالنسبة للظواهري في كلا الحالتين. إذا كان يعلم، فهذا يعني أنه كان يخدع أتباعه لسنوات ويعلن ولاءه وولاء تنظيمه لجثة. إذا لم يكن يعلم، فهذا يبرز القضية الإشكالية بنفس القدر حول لماذا لم يفكر أحد في طالبان في إخبار الظواهري، زعيم القاعدة، أن الرجل الذي بايعه ميتٌ وأنه ربما ينبغي عليه عدم مبايعته بعد الآن، لأن ذلك مريب للغاية (ناهيك عن كونه غير شرعي، حيث أن شخصا ميتا ليس مؤهلا تماما ليكون "أمير المؤمنين" بعد الآن). ربما من الممكن تفهم ان الظواهري فضل عدم تناول قضية من علم ماذا ومتى بشأن وفاة الملا عمر على الإطلاق – وبدلا من ذلك اعترف بها فقط وأعلن بيعته للملا أختر منصور زعيم طالبان الجديد. رغم ذلك، فإن صمت الظواهري بشأن الأمر يصم الآذان.

كما لم يقطع الظواهري فترة صمته الطويلة بدعوةٍ مدوية إلى حمل السلاح لتحدي تنظيم الدولة الإسلامية وإعادة فرض قيادته وتنظيم القاعدة لحركة الجهاد العالمي. بدلا من ذلك فقد وضع مقطع فيديو فاتر إلى درجة تسبب خدرا للعقل يظهر فيه مقطع قديم لبن لادن رآه الجميع ألف مرة تقريبا حتى اللحظة، يتبعه عشر دقائق تقريبا لصوت الظواهري الذي يأتي رتيبا على خلفية صورة ثابتة لوجهه المبتهجبغرابة. لا انفجارات نارية، لا مقاطع مثيرة لجهاديين "شجعان" يهجمون على الكفار. تماما كما يحاضر عجوزٌ مضجر حول كيف ستستمر القاعدة في القتال بجانب طالبان لإقامة الخلافة التي "تحقق الأمن، وتمحو الظلم، وتعيد الحقوق، وترفع لواء الجهاد". ليس مثيرا ولا مبتكرا.

قارن هذا بكلمة البغدادي في نوفمبر 2014. كانت هذه أيضا رسالة صوتية بدون مؤثرات بصرية درامية – لا نيران، لا بنادق كلاشينكوف، ولا عربات هامفي متفجرة. لكن الفارق في النبرة شديد الوضوح:

يا جنود الدولة الإسلامية، امضوا في حصاد الأجناد، فجروا براكين الجهاد في كل مكان، وأشعلوا الأرض نارا على كل الطواغيت وجنودهم وأنصارهم، امضوا في طريقكم، وأنتم الأقوياء بإذن الله، امضوا وأنتم الأعزة، امضوا وأنتم الأعلون، امضوا وانتم المنصورون إن شاء الله.

يحض البغدادي الشباب الذين يشعرون بالضياع على "تفجير براكين الجهاد في كل مكان". بينما يعطي الظواهري دروسا في النظرية السياسية.

لا شيء من هذا يثير شديد الغرابة. عندما مات بن لادن، أشار عددٌ هائل من الخبراء إلى أن الظواهري يفتقد الكاريزما ومهارات القيادة التي كان يتمتع بها سلفه، وأنه عرضة للاقتتال الداخلي والحذلقة. ما كان يمتلكه بدلا من ذلك هو خبرته العميقة بالقدرة على البقاء: شكل الظواهري خليته الإرهابية الأولى كمراهق، وفي العقود التي تلت ذلك نجى من مطرقة مكافحة الإرهاب في مصر، والاقتتال الداخلي داخل الحركة الجهادية، وحملة شرسة للطائرات الأمريكية بدون طيار. إدارة منظمة فعالة اليوم صعب، حيث لا يستطيع هو وكبار قادته التواصل أو اللقاء بأعدادٍ كبيرة دون أن يكون على الناحية المستقبلة لصاروخ هيلفاير (وهو طراز الصواريخ الذي تستخدمه الطائرات الأمريكية بدون طيار – المترجم). (ما يجعل حقيقة أن الظواهري سجل أحدث بياناته الذي أعلن فيه ولاءه لأمير طالبان الجديد في نفس اليوم بالضبط الذي أصدرت فيه طالبان بيانها الذي أعلن رسميا تتويج الملا منصور مثيرةً بصورةٍ خاصة،  حيث تشير إلى أن خطوط التواصل بين قيادة طالبان والظواهري لا توجد أمامها عوائق على الإطلاق. ربما ليس الأمر بذلك الصعوبة أن تتواصل مع شخص عندما تعيش بالكهف المجاور).

إذن فالظواهري مازال على قيد الحياة والقاعدة مازالت على قيد الحياة. لكن البقاء على قيد الحياة لا يماثل الازدهار.

ما تزال القاعدة موجودة، وما يزال عملائها يخططون ضد الغرب. لكن النتائج كانت بائسة خلال فترة زعامة الظواهري. منذ أن تولى قيادة التنظيم عام 2011، لم تقم النواة الأساسية للقاعدة بهجومٍ واحد ناجح في الولايات المتحدة أو أوروبا. تلك الهجمات الإرهابية القليلة التي نجحت قامت بها تنظيمات تابعة للقاعدة تتصرف من تلقاء نفسها، أو موالين لتنظيم الدولة الإسلامية، وليس الظواهري وكبار قائديه.

لكن الظواهري يظل ضروريا بالنسبة للقاعدة، حيث أنه الشخصية البارزة الأخيرة من الحرس القديم للقاعدة والذين بلغوا سن الرشد بينما كانوا يخوضون الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان إلى جانب بن لادن. معظم قادة التنظيم الأصليين قد توفوا، وقليلين، مثل  المرجع الديني المصري دكتور فضل، رفضوا العنف وأدانوا القاعدة. ربما يتولى جيلٌ جديد مشعل القيادة عند موت الظواهري، لكن لا أحد منهم لديه اسمه المعروف أو مصداقيته.

قيادة الدولة الإسلامية، في المقابل، أكثر ديناميكية. بث البغدادي تيارا كهربائيا في العالم الجهادي عندما أعلن الخلافة العام الماضي. حملة تنظيمه ضد الشيعة "المشركين" والانتصارات العسكرية على الأرض هي اثبات لتفوق التنظيم كما أنها جذابة عاطفيا للمتعاطفين مع الجهاد والذين سيصبحون متطرفين. الظواهري يتحدث، بينما البغدادي ينفذ.

يتودد تنظيم الدولة أيضا إلى الجماعات في العالم الإسلامي ويخلق شقوق في الموجودة حاليا. في نيجريا، أعلنت جماعة بوكو حرام الولاء للتنظيم، رغم أن ما يعنيه أن تكون "ولاية" للتنظيم يظل غير واضح. مقاتلو الدولة الإسلامية نشطين أيضا في ليبيا. وفي سيناء، أعلن جهاديون محليون الولاء ويذبحون الأجانب محاكاةً للتنظيم. في أفغانستان، واليمن، وأماكن أخرى، تنشط خلايا تدعي التصرف باسم الدولة الإسلامية، حيث تشكل تهديدا لقيادة الحرس القديم المرتبط بالقاعدة

القاعدة هي الأقوى عندما نحتسب التنظيمات التابعة لها: تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، حركة الشباب في الصومال، تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، وجبهة النصرة في سوريا.  قام تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب بالتحديد بالعمل الأكبر لمواصلة أجندة القاعدة المعادية للغرب، حيث درب أحد مهاجمي شارلي إيبدو وحاول تفجير طائراتٍ أمريكية. وسع آخرون استهدافهم للأهداف الغربية والدولية داخل مسارح حروبهم المحلية  لكنهم لم يحاولوا القيام بهجمات داخل الولايات المتحدة أو أوروبا.

لكن حتى هنا تبدو القاعدة في طريقها للأفول، تحديدا عندما نفكر في التهديد الإرهابي للغرب. جميع الجماعات التابعة تركز أولا وقبل كل شيء على الحروب الأهلية الدامية في مناطقها. إنها تأمل في الاستيلاء على الأراضي وتوسيع رقعة سيطرتها المحلية، لكن الحروب مستهلِكة للغاية، والإرهاب بالخارج هو عرضٌ جانبي في أفضل الأحوال. بل إن زعيم جبهة النصرة زعم أن الجبهة لا تريد مهاجمة الأهداف الغربية وأنها تركز حصرا على الحرب الأهلية في سوريا.

يوفر الراغبون في أن يصبحوا ذئابا منفردة مقياسا لمن يرتفع ومن ينخفض في عالم الإرهاب. في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة، خطط عشرات الأشخاص أو حاولوا القيام بهجماتٍ (نجح القليل منها) في العام الماضي. الكثير من هؤلاء لديهم تاريخ طويل من الدعم للقضايا الجهادية. لكن الأغلبية الساحقة اليوم تدعي التصرف باسم الدولة الإسلامية، وليس قاعدة الظواهري.

لكن بينما قد يشير الارتفاع في عدد هجمات الذئاب المنفردة التي نُفذِّت بإيحاءٍ من تنظيم الدولة الإسلامية أن الدولة الإسلامية هي تهديدٌ خطير للأمريكيين العاديين، فإن الحقيقة تظل أن تنظيم الدولة منخرط في مشروع بناء دولة في جزءٍ من العالم بعيد عن الأراضي الأمريكية، حيث موارده مركزة على الاستيلاء على أراضي جديدة وإقامة دولة فعالة في الأراضي التي يسيطر عليها في الوقت الحالي.

التركيز الرئيسي للجهود الدعائية لتنظيم لدولة الإسلامية هو على إغراء الشباب (والشابات) بالسفر إلى أراضيه. هو يدعو المؤيدين لشن هجمات ذئاب منفردة في الغرب، لكن فقط إذا كانوا لا يستطيعون الوصول إلى سوريا والعراق للانضمام إلى صفوف الدولة الإسلامية. لذا فليس من المفاجئ أن العديد من الهجمات التي نُفذِّت بإيحاءٍ من الدولة الإسلامية ذات مستوى هواة. هذا ليس معناه أن وقوع هجومٍ كارثي مستحيل – وبالطبع خسارة حتى روح واحدة بريئة هو عددٌ كبير – لكن من المنظور الاستراتيجي الأوسع، فإن تهديد الدولة الإسلامية للأراضي الأمريكي محدود.

بينما كانت القاعدة، من ناحيةٍ أخرى، هي التنظيم الوحيد الذي اهتم بنفس القدر (إن لم يكن أكثر) بالإرهاب العالمي كما اهتم بالانتصار محليا. أعطى بن لادن والظواهري وباقي قيادة النواة الأساسية للقاعدة الأولوية للهجمات على "العدو البعيد" – الغرب وخاصةً الولايات المتحدة – على الهجمات على "العدو القريب" – الأنطمة "المشركة" في أماكن مثل مصر التي أرادوا الإطاحة بها. كانت الهجمات في الحادي عشر من سبتمبر 2001 تتويجا لهذا الجهد، لكنهم لم يستطيعوا القيام بهجومٍ آخر على الولايات المتحدة على نطاقٍ مماثل أو يقترب منه منذ ذلك الحين.

لذا فإن الدولة الإسلامية تغدو أقوى لكنها تركز على الشرق الأوسط. ما تزال النواة الأساسية للقاعدة تركز على الولايات المتحدة، لكنها مجرد ظل للتنظيم الذي كانت إياه يوما. يجب أن يعكس التهديد للأراضي الأمريكية، والتهديد للمصالح الأمريكية بالخارج، ديناميكيات الإرهاب اليوم – لا ديناميكيات 11 سبتمبر.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب