الولع الأمريكي بالمستبدين "الودودين"

مقال رأي

 أيا كان مستوى الحماس الذي امتكلته إدارة أوباما من قبل تجاه الثورات الديموقراطية في أحداث الربيع العربي فقد اختفى تقريبا. تم التأكيد على تلك النقطة عبر اجتماعات وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، التي انتهت للتو مع الزعيم المصري عبد الفتاح السيسي. كما يؤكد قرار الإدارة بتسليم شحنة طائرات "إف-16" إلى القاهرة عشية رحلة كيري بشكل أكبر على أن مشاعر واشنطن الحميدة تصب عند المستبدين العسكريين المصريين، وليس داعمي محمد مرسي، الرئيس المنتخب الذي أطاح به السيسي وزملائه الجنرالات وسجنوه.

تمثل سياسات إدارة أوباما تجاه مصر صورة مصغرة لنموذج مقلق من السياسات الخارجية الأمريكية. على الأقل بالنسبة للعالم الثالث، فخلال الحرب الباردة وما يطلق عليه الحرب على الإرهاب، بدا أن صناع القرار الأمريكيين يفضلون التوافق مع المستبدين عن التوافق مع الزعماء الديموقراطيين الذين يتميزون بالمشاكسة والمفاجأة.

تعكس العلاقة مع مصر سياسة قديمة. فقد اعتبرت واشنطون الدكتاتور المصري، حسني مبارك، حليفا هاما لأكثر من ثلاثة عقود، رغم فساد نظامه ووحشيته. بالفعل، كان القادة الأمريكيون ممانعون للتخلي عن مبارك، حتى مع اندلاع الاحتجاجات المطالبة بالديموقراطية في ميدان التحرير، بالقاهرة، وأماكن أخرى عام 2011. في مقابلة مع شبكة "بي بي إس"، اعترض نائب الرئيس جو بايدن على وصف مبارك بالدكتاتور ورفض الدعوات المطالبة بتنحيه. ثبت وجود مشاعر مماثلة عندما قاد السيسي انقلابه على مرسي. حيث رفض مسؤولو الإدارة الأمريكية وصف الحدث بأنه إنقلاب. وإن كانت إطاحة الجيش بحكومة منتخبة لم تمثل انقلابا، فمتى ينطبق هذا المصطلح.

من المؤسف أن الحماس تجاه السيسي يبدو كحماقة يمارسها الحزبين. فخلال المناظرة الرئاسية الأخيرة، التي بثت تلفزيونيا في وقت الذروة، للمرشحين الرئاسيين للحزب الجمهوري، إنهال السيناتور تيد كروز بالإشادة على المستبد المصري لمواجهته للمتشديين الإسلاميين.

لا يعتبر الولع الأمريكي بالمستبدين، المفترض أنهم ودودون، مقيدا بالسياسات الأمريكية تجاه مصر. فقد ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب، محمد مصدق، عام 1953 وأعادت الشاه إلى الحكم كملك له مطلق الحريات. تودد القادة الأمريكيون بشكل متكرر إلى الشاه بصفته صديقا عظيما للولايات المتحدة، وربما تمثل الموقف الأكثر إثارة للاشمئزاز في نخب الرئيس جيمي كارتر خلال زيارة رسمية إلى طهران عشية رأس السنة عام 1977. حيث قال كارتر بحماس: "أصبحت إيران، بفضل القيادة العظيمة للشاه، جزيرة للاستقرار في واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم. وتلك إشادة كبيرة بجلالتك، وبقيادتك وبالاحترام والإعجاب والحب الذي يكنه شعبك لك". ليخلص على ما يبدو إلى أن الحماس الأمريكي الواضح للشاه وسياساته خلال ربع القرن الماضي لم يكن كافيا بالنسبة للولايات المتحدة لتطبقه، حيث شدد الرئيس: "ليس هناك دولة أخرى في العالم أقرب إلينا من إيران في التخطيط لأمننا العسكري المشترك". ولكن وفق كارتر، تتشارك الولايات المتحدة وإيران أكثر من المصالح الأمنية. "كذلك تمثل قضية حقوق الإنسان واحدة من القضايا المتشاركة بعمق من قبل شعبنا ومن قبل قادة البلدين". إلا أن منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى وثقت بالفعل انتهاكات الشاه الممنهجة لحقوق الإنسان. بالكاد مرت سنوات بعد نخب كارتر مفرط المشاعر، وكان نظام الشاه الذي يفترض أن الشعب الإيراني قد احترمه، وأعجب به، وأحبه، قد تحول إلى خراب، مع هروب الملك المخلوع إلى المنفى.

مثل التحمس للمستبدين الفاسدين والمتعطشين للدماء ظاهرة مارسها كلا الحزبين. فبعد سنوات قليلة من نخب كارتر المدهش أمام الشاه، شارك نائب الرئيس جورج دبليو بوش في سلوك مشابه تجاه الزعيم الفلبيني، فرديناند ماركوس. شدد بوش على احترام حكومة الولايات المتحدة وإعجابها بماركوس، حيث قال: "نحن نقف إلى جانبك سيدي ... نحن نحب التزامك بالمبادئ والعمليات الديموقراطية". الحقيقة أن الزعيم الفلبيني كان دكتاتورا صرفا منذ فرضه للأحكام العرفية عام 1972، وقد أظهر ميولا وممارسات استبدادية صريحة لسنوات عديدة قبل ذلك الإعلان الرسمي. كذلك كان حكمه فاسدا بشكل مدهش لدرجة أنه دمر الاقتصاد الفلبيني تقريبا.

كان تفضيل واشنطن للأنظمة الاستبدادية المتعاونة بدلا من ضبابية الديموقراطية وسط حلفاءها من العالم الثالث والدول العملية مثبتا في الدعم الأمريكي القوي لسلسلة من المستبدين الكوريين الجنوبيين، ومنهم سينجمان ريه في الخمسينيات وبارك شانج هي في الستينيات والسبعينيات. ولكن المثال الأكثر وضوحا جاء عام 1980 عندما أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المدنية التي صعدت لفترة وجيرة بعد اغتيال بارك. يميل الشباب الكوري بشكل خاص إلى إلقاء الكثير من اللوم على أمريكا بصدد الانقلاب الأخير. أثار الجنرال جون ويكمان، قائد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، تلك الشكوك عندما صرح بأن الشعب الكوري "يتميز بالتبعية" وأنه "احتاج إلى زعيم قوي". تشير الأدلة إلى أن تودد واشنطن مع المستبدين الودودين لم يؤت ثماره. إنها سياسة قصيرة النظر تخون القيم السياسية الأمريكية المزعومة مقابل مكاسب قصيرة المدى، والتي عادة ما تكون خادعة. كما يحمل احتضان المستبدين الودودين خطر أن يؤتي نتيجة عكسية مؤذية عندما تلوم الشعوب المقموعة واشنطن على دعمها للمستبدين الذين سرقوا بلادهم وأشاعوا فيها الوحشية. تبدو تلك العواقب واضحة في دول مثل نيكاراجوا وإيران. فعلاقات واشنطن الدافئة مع عائلة سوموزا التي هيمنت على نيكاراجوا لأكثر من أربعة عقود أدت إلى صعود نظام دانيال أورتيجا السنديني الوحشي المعادي لأمريكا. أما الوضع في إيران فهو أسوء. فلا يمكننا فهم شدة واستمرار كراهية طهران للولايات المتحدة دون فهم السخط إثر التواطؤ الأمريكي في الإطاحة بمصدق واحتضان الشاه خلال ربع القرن التالي. بينما كانت النتيجة العكسية، لحسن الحظ، في أماكن مثل كوريا الجنوبية والفلبين أخف، ولكن حتى في تلك البلاد، تبقى الشكوك حول النوايا الأمريكية لعقود بعد سقوط الدكتاتوريات.

مع الأسف، هناك مؤشرات قليلة على أن المسؤلين الأمريكيين قد تعلموا أن تفضيلهم للأنظمة الاستبدادية غير أخلاقي ويؤتي نتائج عكسية. ويؤكد الاحتضان الجاري للسيسي على أن واشنطن لا تزال مولعة بشكل مقلق بالمستبدين الودودين.

تيد جالين كاربنتر زميل بارز بمعهد "كاتو" ومحرر مساهم بموقع "ناشيونال إنترست".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب