بعد وفاة الملا عمر: هل يمكن تحقيق السلام في أفغانستان؟

مقال رأي

 شهدت الشهور السبعة الأولى من عام 2015 تحركا غير مسبوق نحو السلام في أفغانستان. حيث أدت سلسلة من الاجتماعات غير الرسمية بين طالبان والحكومة الأفغانية إلى عقد اجتماع رسمي في باكستان يوم 7 يوليو. كما تقرر عقد اجتماع آخر يوم 31 يوليو. بدا الاجتماعان تمهيديان، ولكن محادثات السلام الحقيقية ليست ببعيدة. ليأتي يوم 29 يوليو حاملا إلى العالم نبأ موت زعيم تنظيم طالبان، الملا عمر.

دائما ما كان الملا عمر عنصرا محوريا في محادثات السلام. فقط لأنه يستطيع ضمان اتحاد طالبان وراء اتفاق، حسبما يرى الخبراء. ودون تأييده، ستكون المحادثات غير شرعية.

من المؤكد أنه مع إعلان موت الملا عمر، توقف الزخم الموجه نحو تحقيق السلام. فقد تأجل الاجتماع الذي تقرر عقده يوم 31 يوليو إلى أجل غير مسمى. ثم رفض خليفة عمر، الملا أختر محمد منصور، المفاوضات بالكامل وأصدر مجددا دعوة للجهاد ضد الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية. بعد ذلك بحوالي أسبوع، وعلى مدار أربعة أيام، هزت ثلاثة انفجارات العاصمة كابول، لتقتل وتصيب حوالي 400 أفغاني. وتبنى تنظيم طالبان مسؤولية تلك العمليات. والآن يتمحور السؤال حول إن كانت محادثات السلام قد وصلت إلى طريق مسدود أم لا.

اجتذاب طالبان إلى طاولة المفاوضات

تغرق حركة طالبان في صراع على السلطة. حيث يحاول منصور أن يحمي منصبه أمام الخصوم الموتورين مثل عبد القيوم ذاكر وابن عمر، يعقوب، الذي يشكك في حقه في حكم التنظيم. لتلك الصراعات نتيجتين محتملتين، لكل منهما عواقبها الخاصة على المفاوضات. تتمثل إحدى النتائج في أن تظل الحركة متحدة. حيث يهزم قائد منفرد – منصور أو أحد منافسيه الحاليين – جميع الآخرين ويوحد الحركة. وحتى يحكم الحركة بفاعلية بعد ذلك، على الزعيم الجديد أن يثبت نفسه. عليه أن يري مقاتلي طالبان أنه يستطيع حمل الراية وخوض حرب ضد الولايات المتحدة في أفغانستان. كما سيضغط وجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو تهديد حقيقي لشرعية طالبان، بشكل أكبر على الزعيم الجديد ليثبت نفسه عبر الحرب. ولتلك الأسباب، سيستمر أي قائد في رفض مفاوضات السلام، على الأقل على المدى القريب.

بعد فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، قد يتغير الوضع. حيث قد تؤدي الإخفاقات على ساحات المعارك، ومرونة حكومة الوحدة الأفغانية، والضغوط من الصين وباكستان إلى عودة طالبان إلى مائدة المفاوضات. إن حدث ذلك، ستمثل طالبان المتحدة أساسا جيدا لاتفاق دائم، متجنبا المفسدين ومربكا الجماعات المنشقة.

سواء أكان الزعيم الجديد سيسعى نحو اتفاق سلام على المدى الطويل أم لا يعتمد جزئيا على شعوره الحقيقي تجاه المفاوضات. حيث يتمتع الغرب برؤية ضبابية تجاه نوايا منصور. فمن جانب، تذكره التقارير الإعلامية الأخيرة راضخا للضغوط الباكستانية لإرسال موفدين للقاء المسؤولين الأفغان وافتعال رسالة رسمية من عمر (الميت منذ فترة طويلة) تؤيد فكرة محادثات السلام. وعلى الجانب الآخر، يميل رجال القبائل التابعين له إلى اعتباره متشددا. في فترة ما قبل عام 2014، قال لهم أنه توقع استمرار الحرب لسنوات. فقد رأى حركة طالبان تعيد تشكيل ذاتها بعد عام 2001 وكان واثقا من أنها تستطيع الصمود مجددا.

تتمثل النتيجة الأخرى المحتملة للصراع الحالي على السلطة في طالبان في أن تنهار طالبان أمام التناحر الداخلي وصعود داعش. تنشق تنظيمات عديدة مدينة بالولاء لقادة مختلفين لتكون حركات متمردة خاصة بهم. وفي ذلك السيناريو، سيكتسب داعش أتباعا وربما يصبح أقوى تلك التنظيمات. ستكون احتمالات عقد اتفاق سلام دائم في ظل هذا التصور صفرية تقريبا. حيث لن يتوافر للرئيس الأفغاني أشرف غاني أي شريك مفاوضات لديه الوزن الكافي لإنهاء العنف.

إلا أنه حتى في تلك الحالة هناك جانب مشرق. حيث يرجح للغاية أن تبدأ الجماعات المنشقة عن طالبان وداعش قتال بعضها (مثلما حدث بالفعل في نانجارهار). وبينما يفعلون ذلك، سيصبح الجيش والشرطة الأفغان اللاعبين المهيمنين على أرض المعركة بشكل افتراضي. سيستطيع غاني عندئذ الضغط لتحقيق اتفاقيات سلام منفردة مع قادة التنظيمات الجديدة المنشقة. لن تؤدي تلك الاتفاقيات إلى إنهاء العنف، ولكنها قد تخففه وتعزز موقف الحكومة الأفغانية.

الرهان الكبير

في النصف الأول من عام 2015، أتاح التعاون بين حكومات أفغانستان، وباكستان، والصين إحراز تقدم نحو محادثات السلام. كما أن التنازلات التي قدمها غاني في فترة سابقة من حكمه كان لها تأثير قوي في إقناع باكستان بأن أفغانستان المسالمة لا يجب أن تمثل تهديدا لمصالحها. وفي المقابل، ضغط رئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف، ورئيس أركان الجيش الباكستاني، رحيل شريف، على طالبان للقاء مسؤولين أفغان. أما الصين فقد استغلت علاقاتها الوثيقة بباكستان في لعب دور فعال ومفيد في تسهيل المحادثات.

لا يغير موت عمر المصالح الأساسية التي تحقق التعاون متعدد الأطراف – فباكستان والصين لا تريدا حرب أهلية طويلة المدى في أفغانستان. إلا أنه عبر تأخير بداية المفاوضات بسبب موته، يصعب استدامة التعاون. في الواقع، بدأ التعاون بالفعل في التداعي. حيث تعرض غاني لانتقادات مكثفة، خصوصا من جانب الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، لتقديمه تنازلات لباسكتان دون مقابل يذكر. يراهن غاني كثيرا على أن باكستان تستطيع جلب طالبان إلى طاولة المفاوضات. مع موت عمر، يجب على غاني الآن أن ينتظر مقابل ذلك الاستثمار مع عودة السيارات المفخخة إلى كابول. إلا أن احباطه يبدو واضحا. ففي 10 أغسطس، ألقى خطابا عاما لاذعا، منتقدا فيه باكستان لسماحها لطالبان باستخدام أراضيها لقتل المدنيين الأبرياء في أفغانستان. ودون حصوله على شيء في المقابل، قد يؤدي استمرار سقوط الضحايا المدنيين إلى إجبار غاني على التخلي عن ذلك التقرب.

كذلك تعتبر قدرة القيادة الباكستانية على استدامة التعاون مثار قلق. حيث يقال إن الحكومة المدنية لديها مشكلات في السيطرة على وكالة الاستخبارات الباكستانية. ويعتقد أن الكثير من عناصر الوكالة لديه علاقات قديمة الأمد مع قادة طالبان. علاوة على ذلك، يحين موعد تنحي رحيل العام المقبل، وقد يكون خليفته اقل ميلا للمصالحة. بمرور الوقت، قد يقرر القادة الباكستانيون أن الضغط على حركة طالبان (أو التنظيمات المنشقة عنها) لا يستحق كل هذا العناء. قد تساعد الصين عبر الضغط على باكستان من أجل عودة طالبان إلى طاولة المفاوضات. ولكن على الغرب أن يخفض سقف توقعاته. فالصين تقدر علاقتها الموثوقة مع باكستان. بينما يظل حجم ضغطها على القيادة العسكرية الباكستانية غير معلوم.

الأهم فالمهم

بالنسبة للآن، على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن يتحليا بالصبر حتى يتم حسم الأمر. سيكون من الخطأ التخلي عن مفاوضات السلام ومكاسب الأشهر السبعة الماضية. فسواء أكانت طالبان متحدة أو منقسمة، قد تتوافر فرصة أخرى لإجراء محادثات سلام خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام من الآن.

يجب أن تتمثل الأولوية الحالية في عرقلة تقدمات طالبان على ساحة القتال. على الولايات المتحدة أن تركز ضرباتها الجوية وأن تنصح الحكومة الأفغانية بتركيز عملياتها العسكرية. يظهر مستوى العنف المشهود في أفغانستان خلال الأسبوع المنصرم أنه، بالنسبة للآن، لا تزال الحرب جارية. ستؤدي الاخفاقات الجديدة للجيش والشرطة الافغان إلى تشجيع طالبان ونزع الثقة من محادثات السلام. علاوة على ذلك، تخلق الهزائم العسكرية خطرا واضحا على غاني. حيث يتوجب عليه أن يبدي استجابة أمام هجمات طالبان في كابول لمنع الخصوم من تعجيز حكومة الوحدة بشكل أكبر أو التشكيك في التقارب مع باكستان. قد يبدو مغريا أن يتم تعليق العمليات العسكرية لمساعدة منصور على بناء مصداقيته. نظريا، قد يعزز منصور موقفه كزعيم ثم يلتفت إلى محادثات السلام. إلا أن تلك المساعي يجب طرحها جانبا. فالرهان باهظ الثمن جدا، وتبدو نيته الحقيقية – سواء أكانت المساومة أو الانتصار الكامل – غير واضحا تماما.

وفي غضون ذلك، يجب أن تحمي الولايات المتحدة العلاقة المتجددة بين أفغانستان وباكستان. كما يحتاج المجتمع الدولي وواشنطن إلى تشجيع التعاون وعرقلة العودة إلى الوضع القائم سابقا المنطوي على عدم الثقة المتبادلة. يجب أن يساعدوا غاني في التشبث بسياساته الودية تجاه باكستان، ويجب أن يتعاونوا مع القادة الباكستانيين لضمان أن يظل جلب طالبان إلى طاولة المفاوضات أولوية، عبر استغلال المساعدات الأمريكية إن تطلب الأمر. يجب أن تعمل الولايات المتحدة مع الصين بصدد تلك الجهود أيضا. فقد تساعد الاجتماعات الدورية بين الولايات المتحدة، والحكومة الأفغانية، وباكستان، والصين في إبقاء التركيز منصبا على قضية السلام. فقد مثل التعاون الإقليمي أداة قوية للضغط على طالبان للتوجه نحو طاولة المفاوضات.

لإبقاء العلاقات مع طالبان نفسها حية، يجب أن تعود الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية إلى المحادثات الدورية غير الرسمية مع طالبان، مثل مؤتمر بوجواش في مايو 2015، أو اجتماع يونيو 2015 بين القيادات النسائية الأفغانية والتابعات لطالبان في النرويج. سيكون من المخزي خسارة ذلك السبيل المفيد للطرفين للقاء وجها لوجه وبناء الثقة.

مثلت الأشهر السبعة الأولى من عام 2015 فترة مبشرة لأفغانستان. حتى وإن تقصلت الفرصة المباشرة للسلام، إلا أن أساس المصالح الإقليمية المشتركة لا يزال قائما. على الولايات المتحدة وحلفائها محاولة تعزيز ذلك الأساس حتى تفتح نافذة الفرص من جديد. فمحادثات السلام لم تمت بعد.

كارتر مالكاسيان يعمل في مركز التحليلات البحرية ومؤلف كتاب "الحرب تصل إلى جارمسر: ثلاثون عاما من الصراع على الجبهة الأفغانية".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب