حرب الوكالة الإيرانية السعودية تصل إلى مالي

مقال رأي

  في دولة يعاني ثلثي بالغيها من الأمية، هناك قلة محظوظة تتمتع بفرصة الدراسة بجامعة المصطفى الدولية.

تقع الجامعة في الضواحي الغربية لمدينة باماكو، على بعد بضع مباني من السفارة الأمريكية، ويبلغ عدد المنتسبين إلى المستوى الجامعي بها 180 طالبا فقط – 150 رجل و30 امرأة. يشارك المنتسبون في منهج مكثف يشمل مجالات علم التوحيد، والتاريخ، والفلسفة، واللغة العربية، واللغة الفارسية، والأديان العالمية. ويستخدمون جناح الكمبيوتر بالجامعة، المجهز بـ12 حاسوب مكتبي. ويحصلون على ثلاث وجبات يومية على حساب الجامعة. يجري كل ذلك تحت العيون الحارسة للراحل آية الله روح الله الخميني، المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي يطل عليهم بهيئته من صورته، حيث تعلق فوق أرفف الكتب بمكتبة الجامعة.

يمثل هؤلاء الطلبة جزء من المجتمع الشيعي الصغير بمالي: المكون من حوالي 10,000 عائلة على مستوى البلاد، في دولة تشكل فيها الأغلبية السنية ما يقدر بـ95 بالمئة من السكان، البالغ عددهم 15 مليون نسمة.

ولكنهم يمثلون أيضا المادة الخام للكوابيس السعودية.

تاريخيا، تمتع غرب أفريقيا بنهج متسامح تجاه الاختلافات الدينية، حيث يتجنب – أو على الأقل حتى مؤخرا – نوع العداوات الطائفية بين السنة والشيعة التي اجتاحت الشرق الأوسط لصالح خليط المعتقدات التي تضم الصوفية، والإسلام المالكي، والممارسات الوثنية التقليدية. ولكن مالي – التي تحوي معاهد دينية على اتصال بإيران، مثل جامعة المصطفى الدولية، وحيثما تكشف البرقيات الدبلوماسية التي أصدرتها "ويكيليكس" هذا الصيف أن السعودية تهرول لتمويل المدارس، والمساجد، والمشروعات الثقافية الخاصة بها في المنافسة – توفر دراسة حالة لكيفية انتشار العداوة بين الإسلام السني والشيعي، عبر الوكلاء الإيرانيين والسعوديين، لتجري على بعد آلاف الأميال من الشرق الأوسط.

على خلاف معظم الكليات والجامعات الخاصة بمالي، والتي تستلزم رسوما باهظة، تختار جامعة المصطفى طلابها من خارج العاصمة وتتيح لهم غرفة للإقامة ووجبات مجانية. ينحدر عدد قليل من الطلاب من عائلات النخبة المالية، حيث يتم اختيارهم عبر اختبارات تقدم للشباب الشيعي في أنحاء البلاد. كما يعرض على أعلى المتفوقين الفرصة لاستكمال دراستهم في إيران.

الجامعة قادرة على تقديم ذلك الدعم السخي لطلابها لأنها مدعومة من قبل الجامعة الإيرانية في قم، وهي مدينة تعتبر مقدسة من قبل الشيعة المسلمين وتشتهر بتعليمها الإسلامي. تقدم جامعة قم الحكومية التمويل وتضع مناهج جامعة المصطفى، والتي رغم ذلك تغطي مدارس عديدة في الإسلام، بالإضافة إلى الفقه الشيعي.

قال آدم ندياي: "التدريس هنا جيد جدا"، وهو طالب بالجامعة يبلغ عمره 22 عاما، والذي تحول مؤخرا عن المذهب السني. يطمح ندياي إلى أن يصبح مدرسا عندما يتخرج. وعند إجراء استطلاع سريع للرأي بين زملاء فصله الدراسي نجد أن معظم زملائه يطمحون إلى أن يصبحوا أئمة ودعاة.

يبقى من غير الواضح عدد الجامعات والمعاهد الدينية في مالي التي تتمتع بصلات مع الجمهورية الإسلامية أو مدى قرب تلك الصلات. كما أنه ليس هناك دليل مباشر يشير إلى أن الجامعات مثل جامعة المصطفى الدولية تعتبر بالضرورة جزء من جهود أكبر من قبل الحكومة الإيرانية لاجتذاب المزيدين إلى المذهب الشيعي. رفض المسؤولون بالمركز الثقافي الإيراني في باماكو الإدلاء بأي تفاصيل حول عدد المؤسسات التعليمية التي يتصلون بها، ولكن صحيفة "اليوم"، ومقرها بالسعودية، أوردت سابقا أن المركز الثقافي يدير 10 مدارس في مالي. بينما تقول مصادر أخرى أن العدد يقارب 13 مدرسة.

تتمتع إيران ومالي بعلاقات دافئة، رغم محدوديتها. ففي عام 2010،عندما زار محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني في حينها، مدينة باماكو وتيمبوكتو، تحدث بنبرة متوهجة عن التضامن بين الدولتين ووقع عدد كبير من الاتفاقيات المتعلقة بمساعدات التنمية والاستثمارات الإيرانية في الزراعة والصناعات الاستخراجية. يظهر مدير جامعة المصطفى الدولية، محمد دياباتي، الذي درس في إيران ويحتفظ بعلاقات مع الشيوخ هناك، على التلفزيون المالي للحديث عن فهمه للإسلام. (حيث يقول إن الطريقة التنجانية الصوفية المنتشرة في غرب أفريقيا لها جذور في التعاليم الشيعية، أكثر من السنية).

لا تتساهل السعودية مع الوجود الشيعي في مالي. فمن بين حوالي 60,000 برقية دبلوماسية نشرها موقع "ويكيليكس" يوم 19 يونيو، يوجد عدد كبير من الوثائق التي تفصل مخاوف المملكة بشأن "موجة التشيع الصاعدة"، الناتجة عن ممارسة خصمة السعودية في الشرق الأوسط، إيران، للدعوة. تذكر البرقيات تفاصيل عن مؤسسات خيرية إيرانية، وكليات، ومنصات إعلامية محددة من كازاخستان إلى إسبانيا – بالإضافة إلى مخاوف غامضة حول "أنشطة شيعية" في أماكن أخرى – لتظهر أن الدبلوماسيين السعوديين لا يرون التشيع كبدعة خسيسة فقط، بل وكحركة مرتبطة دون انفصال بالنفوذ السياسي الإيراني. وأنه حتى أصغر المجتمعات الشيعية تمثل تهديدا.

"رغم جهود السفارة الإيرانية في مالية، لا يوجد قبول في البلد المضيف، ولكن يحتمل انتشار فكرهم في المستقبل بشكل أوسع وقد تجتذب أنشطتهم الشيعية قاعدة"، حسبما تذكر برقية من السفارة السعودية في باماكو لوزارة الخارجية في الرياض مبكرا في عام 2009. كما تقترح تمويل مشروعات منافسة – مساجد، ومدارس، وبرامج ثقافية، وأنشطة دعوية، وتدريبات صيفية – لـ"تعزيز المكانة المتنامية للمملكة السعودية" في مالي وتحسين صورة السعودية كـ"حامية للدين الإسلامي الحنيف". وتضيف أن ذلك يجب أن يحدث "عبر تعزز التعايش السلمي بين المذاهب الفكرية المختلفة وصد المد الشيعي".

تقدم مالي مصدرا غنيا بالمتحولين إلى المذهب الشيعي. حيث قال دياباتي: "يحب الشعب المالي آل البيت". كما تكرم الطريقة التجانية الصوفية، التي لديها تاريخ طويل في أنحاء غرب أفريقيا، آل البيت بصفتهم أفراد طاهرين وورعين. ويمثل الأمر قفزة صغيرة عن ذلك عند الاعتقاد بأن آل البيت كان يجب أن يتولوا قيادة المجتمع الإسلامي عند وفاة النبي محمد، وهو اعتقاد أساسي في المذهب الشيعي. كذلك لم لم تغب تلك الصلة عن ملاحظة الرياض.

"تستغل إيران حب المتصوفين لآل البيت من أجل إظهار إيران كدولة إسلامية كبيرة تعادي الكفار وتدعم جميع المسلمين"، حسبما تذكر البرقية، "لا يدرك الكثير من الماليين حقيقة الفكر الشيعي المتعصب، والعنصري، عدو العقائد الإسلامية الأخرى".

ولكن من خلال حلقات جنون الارتياب التي تحملها البرقيات، يبدو أن فكرة أن المجتمع الشيعي الضئيل بمالي لديه أهمية سياسية ضخمة وصلات بطهران قد وجدت جاذبية لدى بعض المحليين السنة.

"لا يمثل الشيعة حتى 1 بالمئة من السكان في مالي. ولكن لهم وجود سياسي، يديره الإيرانيون"، حسبما قال محمود ديكو، رئيس المجلس الإسلامي الأعلي بمالي وأحد أقوى مشايخ البلاد.

كان ديكو ضمن 30 داعية مالي كبير وقعوا على رسالة مفتوحة عام 2008 دعما للموقف الصريح للشيخ المصري المؤثر يوسف القرضاوي ضد الدعوة الشيعية. حذرت الرسالة من "مخاطر المد الشيعي المتزايد"، الذي يهدف إلى "تحويل المجتمعات السنية إلى التشيع، وعرقلة دولها، وفرض الهيمنة الفارسية عليها".

تحتفظ مالي بذكريات قوية عن الصراع الديني. ففي عام 2012، غزا تحالف من انفصالي الطوارق وإسلاميين مرتبطين بالقاعدة النصف الشمالي من البلاد وفرضوا الشريعة قبل الإطاحة بهم بواسطة قوات فرنسية. ولكن مؤشرات التمرد منخفض المستوى أصبحت بادية منذ حينها. استهدف المسلحون الجيش المالي، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وعمال الإغاثة الأجانب عبر إطلاق النار من سيارات مارة وزرع القنابل على جانب الطريق. كما أعلن التنظيم المتطرف "أنصار الدين" مسؤوليته عن هجوم مميت على مطعم شعبي في باماكو في مارس وقتل ثلاثة جنود في قرية قريبة من الحدود مع موريتانيا في يونيو.

رغم ذلك، تعتبر ظاهرة التطرف الديني بالنسبة لمعظم الماليين ظاهرة دخيلة عليهم. حيث كان المقاتلون المشاركون في أحداث 2012 من خارج مالي، ومثل العنف حدثا استثنائيا في تاريخ طويل من التسامح الديني في مالي. وفي أنحاء غرب أفريقيا، عاش الإسلام السني، والصوفية، والشعائر الوثنية التقليدية جنبا إلى جنب في سلام نسبي لقرون.

يبدو أحد أبرز معمدي مالي، القس محمد ياتارا، صريحا بشأن ردته، وهو أمر غير قابل للتفكير فيه في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تحول ياتارا من الإسلام إلى المسيحية منذ أن كان عمره 16 عاما. وعندما أخبر عائلته أنه قد أصبح مسيحيا، تبرأ منه والده وطرده خارج المنزل. ولكنهما بقيا على اتصال حتى موت والده، وقد كان لإقدام ياتارا على ترك دينه عواقب قليلة على أمنه الشخصي.

بين الأغلبية المسلمة، تظل العادات الصوفية والشعائر الوثنية عناصر هامة في ممارسة الشعائر الدينية. في المجتمعات الأفقر، يتحدث القليل من الأئمة اللغة العربية أو تلقى القليلون تعليما بخصوص النقاط الأدق في الفلسفة الإسلامية. يخشى البعض أنه عبر تمويل المدارس، والمساجد، والبنية التحتية المطلوبة بشدة، تخلق القوى الخارجية انقسامات لم تتواجد من قبل في البلاد، على حدود العالم العربي.

يرى الكثيرون في معسكر ديكو مؤسسات مثل جامعة المصطفى الدولية والمركز الثقافي الإيراني كأداة للنفوذ السياسي الإيراني – وهو اتهام دحضه دياباتي، رغم تعليق صور الخميني في مكتب الجامعة، وفي المكتبة، وفي مؤخر سيارته.

وتابع دياباتي: "لن نقبل بتسييس الإسلام". ولكنه أقر بأن الشيعة في مالي يتطلعون إلى إيران لتدعمهم في مواجهة الحركة السلفية. حيث قال: "تحتاج كل دولة تمثل طائفة إلى حماية رعيتها".

أوضح دياباتي، الجالس في مكتب صغير قريب من قاعة الصلاة مرتديا عباءة طويلة بنية اللون وعمامة بيضاء، وهي الملابس المميزة للعالم الشيعي، كيف أنه "اعتاد كره الشيعة". ولكن في أواخر الثمانينيات، أصبح جزء من مجموعة من الباحثين الشباب الذين شاركوا في مناظرات مع حسن همبراز، الذي كان في حينها القائم بالأعمال الإيراني في باماكو وابن الداعية الإيراني البارز. في عام 1988، كان همبراز أيضا مسؤولا عن إرسال مجموعة من الطلاب الماليين إلى أول معهد شيعي في غرب أفريقيا. تحول دياباتي إلى المذهب الشيعي واستكمل دراسته في إيران. وعند عودته أصبح قائدا بارزا في المجتمع الشيعي الوليد في مالي.

اليوم، يتحدث عن القادة السنة الأكثر تشددا في البلاد بلهجة تآمرية، حيث يقول: "الفكر السلفي معروف. يريدون الوصول إلى السلطة ويخططون لذلك. يخططون للسيطرة على المجتمع الإسلامي". ثم صمت لبرهة وتابع: "ولكننا لا نقف متفرجين. فلكل طرف طرقه الخاصة".

تبدو تلك الطرق واضحة: عبر الدعوة وتقديم تعليم جيد وفرص للسفر والعمل في إيران للمتحولين إلى المذهب الشيعي. إلا أن الاستراتيجية السعودية تعتبر أكثر غموضا (تشمل الشائعات واسعة الانتشار بين الماليين قصص عن شيكات هائلة تأتي من الخليج لتمويل السلفيين البارزين). كما سلطت البرقيات الدبلوماسية بعض الضوء على بعض الأنشطة السعودية في البلاد، والتي تشمل تمويل المدارس وتدريبات إعداد دعاة تديرها الجامعة الإسلامية في المدينة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.

يقول وزير الشؤون الدينية المالي، ثيرنو ديالو، إنه يدرك أن الحكومات المالية غضت طرفها طويلا عن المشروعات الدينية المدعومة من الخارج. ورغم التدين الشديد للشعب المالي، يعني الدستور المالي العلماني أن الدولة قد أبقت المساجد على مبعدة منها. وبينما تدرك الحكومة حجم الأموال الضخمة التي تدخل مالي من مصادر غير معلومة، لديها موارد ضئيلة لتتعقبها بشكل موثوق فيه.

علق الوزير بشأن تلك الأموال بأنها: "ليست موثقة"، "وليس هناك شفافية. وتلك مشكلة خطيرة".

لم تروج لا إيران ولا السعودية بشكل صريح للعنف في مالي. ويبين دياباتي، إلى جانب نظرائه السنة، بوضوح أن "الشيعة، كحال الجميع، يعلمون أن التنظيمات المتطرفة في الشمال لا تبد أي رحمة". إلا أن إقامة هويات طائفية لم تتواجد من قبل من أجل أهداف سياسية يؤدي إلى انقسامات أصبحت مرتبطة بأجندات سياسية.

قال الإمام بابا ديالو، وهو عضو آخر بالمجلس الإسلامي الأعلى بمالي، إنه يريد أن ينظم حوارا بين الأديان يضم الطوائف المختلفة ولكنه يبحث عن تمويل. كما يبدو جادا عند حديثه عن العواقب المحتملة للتراخي في ذلك.

"إن فشلنا في علاج الانقسام، ستكون الحرب القادمة بين السنة والشيعة"، حسبما اختتم.

بول رايموند زميل بمشروع "إنترناشيونال ريبورتنج بروجكت"، وعمل في أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

جاك واتلينج صحفي استقصائي ومرشح لنيل شهادة الدكتوراة.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب