رهانات النظام المصري: من جهاز علاج الإيدز إلى افتتاح قناة السيسي

مقال رأي

  كيف يعقل أن "هدية مصر للعالم" الأخيرة، "قناة السويس الجديدة"، تتمثل في تحويل الممر الملاحي الذي يصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط إلى ممر سريع من اتجاهين. فهكذا يسير كل شيء آخر في مصر في اتجاهين متضادين. كذلك لم تكن ردة الفعل تجاه القناة مختلفة، حيث كانت مستقطبة وملتفة حول المشكلة الحقيقية، كحال السفن المجنونة.

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في عام 2014 أثناء زيارته إلى الأمم المتحدة، أن مصر تعتزم إزاحة الستار عن خطط لمشروع لتوسيع منطقة قناة السويس، والتي دفنت منذ حقبة حسني مبارك. تم بناء قناة جديدة، بطول حوالي 25 كيلومتر، بالتوازي مع القناة الأصلية. كما تمت توسعة مساحة 23 كيلومتر من القناة الأصلية وتعميقها. تزعم الحكومة المصرية أن ذلك المشروع قد "قضى" على وقت الانتظار وجعل القناة تستوعب ما يصل إلى 50 سفينة يوميا.

مبدأيا، كان مخططا للمشروع أن يستمر لثلاث سنوات، ولكن في مشهد أشبه قليلا بالأداء المسرحي أصر السيسي بحماس على خفض المدة إلى عام بينما كان رئيس هيئة قناة السويس الفريق مهاب مميش يقدم عرض "باور بوينت" عن المشروع لكبار الشخصيات العسكرية والحكومية. قال السيسي مبتسما: "عام واحد! عام واحد وينتهي المشروع!"، حيث أشار بإصبعه ثم حرك راحتي يديه قبال بعضهما البعض. ورد مميش: "سنة واحدة وسيطبق المشروع".

والآن، لقد حدث ذلك.

قبل حفل التدشين يوم الخميس، كان أمر القناة متعلقا بالسيسي إلى حد كبير لمدة أيام. وظهرت الأعلام المصرية في كل مكان كما يعيث الفطر. انتشرت بالونات ضخمة وغامضة سريعا في ميدان التحرير قبل أن تختفي مع ازدياد الزخم. وتعالت الأغنيات الوطنية الإجبارية، حتى تعذر تمييز الأغنية عن الأخرى. تم تجديد علامات السير في أقرب ميدان رئيسي لي، وتم تعليق لافتة كبيرة عن الهدية المقدمة إلى العالم من "أم الدنيا"، حسبما يطلق المصريون عادة على بلدهم. وحملت الصفحة الأولى كاملة من الصحيفة الحكومية، الأخبار، يوم الأربعاء، رسما للسيسي (وبشكل غريب، كان أشبه قليلا بسيلفيو برلسكوني) ممسكا بدفة سفينة ومحاطا باستنساخات متطابقة لمواطنين مبتسمين. وكما يليق بحدث بتلك الضخامة، أعلن يوم الخميس عطلة رسمية، ما جلب المزيد من السعادة للمواطنين المبتسمين حقا، خاصة أن ذلك يعني أن إجازة نهاية الأسبوه ستمتد إلى ثلاثة أيام.

أعلن عن حفل لمدة ثلاث ساعات لافتتاح القناة. بدأ الحفل بـ"الموكب الرئاسي واستعراض بحري"، والذي تضمن ارتداء السيسي لبذلة عسكرية احتفالية ونظارات شمسية داكنة، على طريقة بينوشيه أو عيدي أمين، مع وقوفه على الطابق العلوي ليخت أثناء تحركه ببطء بالقناة، بينما كان براقب المشهد ويلوحا لأغراض في الأفق، يحتمل أن بعضها كان بشرا. بينما زأرت الطائرات المقاتلة في سماء المشهد، حيث حصلت مصر مؤخرا على عدد من الطائرات "رافال" و"إف-16"، ويبدو أن ذلك العرض كان تجربة لها).

بالنسبة لمن تابعوا من المنزل – حيث عرض حفل الافتتاح على جميع القنوات التلفزيونية تقريبا في مصر – اختلطت الأغاني الوطنية بالتعليق الاحتفالي المقدم بالعربية الفصحى، والذي صدر على ما يبدو من غرفة بها صدى صوت، ليشكل ذلك الموسيقى التصويرية للمشهد. كان الأمر كأنك تستمع إلى صوت صرير غير صادر عن جسد كصوت الساحر "أوز". نفخ رجال ضخام يرتدون ملابس فرعونية في أبواق مع مرور السفينة التي يبحر بها السيسي. بحلول ذلك الوقت كان قد انضم للسيسي مميش مرتديا طاقيته البحرية التي يحب ارتدائها كلما اعتلى سفينة. أبحر الرجلين في المنطقة المخصصة لمراسم الافتتاح مع زأر الطائرات فوقهما ودوران الزوارق الصغيرة في دوائر حولهما بجنون كما الأطقال الذين يعانون نوبة نشاط إثر إلتهام الكثير من الحلويات، وتعالت صيحات الأبواق الفرعونية. ثم أعلن الساحر "أوز" أن الأقلام والألسنة "ستعجز عن وصف ذلك المشهد التاريخي"، رغم أنني، حرفيا، قد وصفته للتو.

متحولا إلى العامية المصرية، أعلن المعلق أن ذلك يمثل "قصة شعب انتفض من أجل الكرامة. أمة ثارت، ورفضت أن يحكمها تنظيم إرهابي".

عند وصوله إلى الشاطئ، اختفى السيسي لتغيير ملابسه سريعا إلى بذلة مدنية. (يبدو أن البروتوكول العسكري يتطلب أن يرتدي بذلته الاحتفالية أثناء اعتلائه لليخت فقط). وفي غضون ذلك، ظهر الحضور، وهم مجموعة من المسؤولين الحكوميين، وشخصيات أجنبية بارزة، ومشاهير محليين، شاغلين لمنصة مشاهدة تحت مظلة ضخمة أقيمت من أجل المناسبة. ووسط السخرية على موقع تويتر، علق أحد المستخدمين على صورة لمجموعة كبيرة من الضيوف السعوديين الهابطين على سلم طائرة قائلا: "لو استعطف أحدهم تلك المجموعة قد يحصل على 5 أو 6 ملايين جنيه مصري"، في إشارة إلى الزوار الخليجيين الذين يقضون الصيف في مصر والذين يكون سخائهم عادة هدفا لمتسولي الشارع في مصر. قدم للرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، الذي جاء للاحتفال بفصل جديد للقناة التي طورت في الأساس بواسطة الفرنسي فرديناند ديليسبس، مقعد ضيف الشرف إلى جوار السيسي وقضى الكثير من الوقت متململا وناظرا إلى كتيبه. ظهرت مجموعة مختارة بعناية من العوام ملوحين بأعلام ومرتدين لقبعات بحرية أنيقة.

ألقى السيسي خطابه بينما تصارع شفته العليا العرق. وكما تعود، خرج عن النص حتى "يتحدث إلينا كمواطن مصري" وتحدث بشأن الحضارة المصرية وما قدمته للعالم على مدار 7000 عام، وقالل: "سيسجل التاريخ ذلك... وقفت مصر وصدت الفكر الإرهابي الأخطر والأكثر تطرفا... صد المصريون ذلك الفكر". حفرت القناة بينما حاربت مصر، وتستمر في حربها، ضد الإرهاب، حسبما قال السيسي لضيوفه، وأضاف: "سننتصر في النهاية، ذلك مؤكد"، وأشار بالتصفيق.

"تؤكد فرحة المصريين بالقناة أنهم قد احتاجوا ليثبتوا لأنفسهم وللعالم أنهم لا زالوا قادرين على تحقيق الإنجازات"، حسبما قال الرئيس في إشارة محتملة إلى أن القناة تمثل نوعا من العلاج الجماعي بالإضافة إلى جميع الأشياء الأخرى التي تمثلها بعيدا عن كونها مجرد ممر مائي. وفي منتصف خطابه، قاطعت سفينة شحن كلام الرئيس. حيث أطلقت صافرتها المرتفع مع مرورها مبحرة وعلى تصفيق الجماهير المتهلل. (لقد كان ذلك معدا، ليثبت أن القناة تعمل).

تعتبر القناة في حد ذاتها رمزية للغاية، حيث ترمز إلى مقاومة الاستعمار الأجنبي، وإلى استقلالية مصر. وهي مرتبطة بجمال عبد الناصر وانتصار مصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956. مثل عبد الناصر بالنسبة لمناصريه بطلا قويا أعاد إلى مصر كرامتها – وسحق الإخوان المسلمين. وقد يعتبر السيسي بالنسبة لمعارضيه سائرا على درب عبد الناصر. حيث انتقد بعض معارضيه من الإخوان المسلمين بشدة خطة القناة. قال الإسلامي صاحب الصوت العالي، وجدي غنيم، الذي يقدم خطبا لاذعة عبر قناته على موقع "يوتيوب"، إن "حوض أمه البلاستيكي" أعرض من تلك التوسعة بطول ميل، ما دفع المقدم التلفزيوني المشابه في حدته والمنصاع للحكومة أحمد موسى إلى الرد يوم الخميس عبر التسائل حول صحة حوض أم غنيم البلاستيكي.

طرح محمد مرسي، الرئيس الذي أطاح به السيسي عام 2013، خطته لتطوير مركز اقتصادي وصناعي على ضفاف القناة خلال فترته الوجيزة في الحكم. اعتمدت الخطة على قرض بقيمة 8 مليار دولار من قطر واتهمه معارضوه ببيع قناة السويس للدولة الخليجية.

بين عشية وضحاها، تحول الجميع في مصر إلى خبراء في النقل البحري. واشتعلت المناقشات على مواقع التواصل الاجتماعي، مستقطبة ومدفوعة بالتحيزات. فقد أصر داعمو السيسي على أن القناة ستحدث تحولا في الاقتصاد المصري. بينما يقول معارضوه إنه مضيعة للأموال، ومحاولة من النظام للتغطية على عدم أهليته. حتى الآراء من داخل صناعة الشحن نفسها تراوحت بين الحماس والشكوك وبالتالي يبدو مستحيلا تأكيد أي حقيقة حول أهلية تصور الحكومة المصرية بأن قناة السويس الجديد ستزيد أرباحها من 5,3 مليار دولار إلى 13,3 مليار دولار بحلول عام 2013.

سواء أكان له أهلية أم لا ربما يكون أمرا جانبيا. فذلك نظام الرهانات الكبرى (وهل هناك أي رهان أكبر من الإطاحة برئيس من الحكم؟) الذي لم يحقق حتى الآن الكثير من النجاحات بصدد مشكلات مصر الاجتماعية الاقتصادية المتنوعة والمستعصية، بينما يستمر في تضييق الخناق على الحريات المدنية، مع دعم شعبي واسع وواضح.

تعتبر الرهانات الكبرى دائما مغامرة. ويبدو أن ذلك الرهان قد آتى ثماره – على الأقل بالنسبة للآن. بينما كانت الدولة مؤخرا تخفي بهدوء الزعم الغريب والمحتفى به كثيرا (على الأقل في البداية) بأن الجيش المصري قد اكتشف علاجا للإيدز وفيروس سي. ولكن تلك الأمور تنسى، أو ربما تقابل بالتسامح، وسط العاصفة اليومية من التقارير بشأن التفجيرات وعمليات القتل الإرهابية.

سارة كار كاتبة مصرية بريطانية مقيمة في القاهرة.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب