كيف تناول الإعلام الإيراني الاتفاق النووي؟

مقال رأي

 في 15 يوليو الماضي، اليوم الذي تلى توصل إيران إلى اتفاق مع مفاوضي مجموعة "5+1" بشأن برنامجها النووي، هنأ المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامئني الرئيس حسن روحاني على ذلك الإنجاز الهام، ولكنه حذر من أنه يجب فحص نص الاتفاق بحذر. رغم اعتبار كلمات خامئني بشكل عام داعمة للاتفاق، إلا أنها أيضا قدمت ثغرة للانتقادات المستقبلية.

عادة ما تعتبر التغطية الإعلامية الإيرانية لأي قضية معقدة، ومتباينة ومثيرة للجدل كحال السياسات الإيرانية نفسها. إلا أن الأمور بالنسبة للاتفاق الإيراني كانت هادئة بشكل مفاجئ، حيث كانت الانتقادات محدودة. وكانت معظم النقاشات، في وسائل الإعلام المعتدلة والمحافظة، إيجابية إن لم تكن فاترة بشكل ما.

في الصحف المناصرة للإصلاح، توالت التصريحات مباشرة بعد إنتهاء المحادثات في فيينا. حيث زعمت صحيفة "اعتماد" اليومية المعروفة أن "العالم قد تغير"، واصفة يوم 14 يوليو بأنه يوم "ثورة الدبلوماسية". وبشكل مشابه، بعد خطاب روحاني المذاع تلفزيونيا يوم 14 يوليو، أعلنت الصحف الإصلاحية مثل صحيفة "روزان"، و"همكاري ملي"، و"همشهاري" بداية حقبة التعاون التي قد "تهدم جدار عدم الثقة" وتحسن علاقات إيران مع الغرب. بشكل عام، وصف الاتفاق بأنه انتصار محتمل للدبلوماسية على المواجهة وأنه يبشر بفصل جديد من الأمل.

وجدت المنصات الإعلامية المحافظة والداعمة للإصلاح جانبين محددين مثيرين للإعجاب في اتفاق فيينا. أولا، وصف الاتفاق بأنه اعتراف صريح بإيران كقوة نووية دولية، وليست أقل من ذلك، لأن الاتفاق لا يمنع إيران بشكل تام من تخصيب اليورانيوم. ليمثل ذلك مصدرا رئيسيا للفخر بالنسبة للإعلام والجمهور. بينما أكدت الصحف المحافظة مثل "جوان"، و"رسالت"، و"جمهوري إسلامي" على أن "مقاومة الدولة" ضد العقوبات الغربية كانت حاسمة في تحقيق ذلك "الانتصار دون حرب". كما تمادت صحيفة "ابتكار" اليومية المعروفة المناصرة للإصلاح إلى اقتباس مقارنة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني بين الاتفاق النووي وتحرير خرمشهر. حيث تظهر الإشارة القوية إلى الانتصار الحاسم والمرير على الغزاة العراقيين للمدينة خلال الحرب الإيرانية العراقية كيف أن الاتفاق النووي أصبح بالفعل رمزا جديدا للخطاب الإيراني المناهض للعدوان الخارجي.

ثانيا، بشر الإعلام الإيراني بإلغاء العقوبات والاحتمالية المتجددة للاستثمار الأجنبي. بعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق، غطى الإعلام الإيراني وصول الوزراء الفرنسيين، والألمان، والإيطاليين المتدفقين إلى إيران لإعداد أساس لتعاون اقتصادي أكثر قربا. وفق صحيفة "إيران دايلي" الداعمة للإصلاح، ستسمح خطة العمل الشاملة المشتركة لإيران والغرب بتعزيز التعاوو، كم أن إلغاء العقوبات "سيقدم لإيران فرصة لتعزيز علاقات التجارة الدولية".

وجدت الانتقادات القائمة إلهامها في تعليقات خامئني الغامضة، وتتواجد بشكل أغلب على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام المتشدد. ركزت التغطية المنتقدة بشكل أغلب على ثلاثة جوانب مختلفة من الاتفاق، وأظهرت الأهمية المتسمرة للخطاب المعادي لأمريكا رغم التعاون الجاري في الآونة الأخيرة. أولا، ذكر المنتقدون في الإعلام أن الاتفاق يعرقل برنامج الطاقة النووية الخاص بإيران عبر تقديم تنازلات عديدة للمفاوضين الغربيين. على سبيل المثال، ركز موقع "رجا نيوز" المتشدد على الأحكام "المثيرة للجدل" الواردة في الاتفاق. ووفق الموقع، الذي يتمتع بعلاقات قوية بالحرس الثوري الإيراني، ينتهك الاتفاق الخطوط الحمراء التي وضعها خامئني سابقا عبر خفضه لعدد المنشآت النووية بشكل كبير في البلاد وإزالة الكثير من أجهزة الطرد المركزي، وكذلك مخزونها من اليورانيوم المخصب. علاوة على ذلك، قال الحرس الثوري الإيراني إن الأحكام المنصوص عليها في الاتفاق بشأن التفتيش الدولي للمواقع العسكرية، والإبقاء على عقوبات الأمم المتحدة بالنسبة لبرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، تهدد أمن إيران.

ثانيا، أثار المتشددون شكوكا حول مدى مصداقية الولايات المتحدة. على سبيل المثال، حذرت صحيفة "كيهان" المطلعة، وهي صحيفة يومية على صلات وثيقة بالمرشد الأعلى، من الخطط الأمريكية المحتملة لاستخدام الاتفاق في تمكين المعتدلين الإيرانيين من أجل تغيير النظام في إيران.

ثالثا، احتجت قوات "الباسيج" شبه العسكرية، عبر فيس بوك، على فريق التفاوض الإيراني. كما تعرض وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ومفاوضون آخرون لانتقادات بوصفهم غربيين جدا لأنهم درسوا في جامعات أمريكية. ولذلك السبب، تم اتهامهم بتجاهل مبادئ الثورة الإسلامية.

كانت الانتقادات في الإعلام الإيراني محدودة حتى الآن لسببين رئيسيين. أن دعم الاتفاق أكثر شعبية بكثير من الشكوك ضده، بسبب التصور العام لدى الشعب الإيراني المنطوي على دعم خامئني واستجابته المتحمسة تجاه الاتفاق. في الواقع، يرى الكثيرون في البلاد الاتفاق كفرصة لتحسين ظروف المعيشة.

إلا أن الموقف الداعم إلى حد كبير من جانب الإعلام الإيراني ليس عفويا، على العكس، تنبع التغطية الإيجابية من توجيهات سرية للغاية أصدرتها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. حملت الوثيقة المكونة من صفحتين، التي أوردتها وكالة أنباء الطلاب الإيرانيين، ثم لاحقا شبكة "بي بي سي" و"رويترز"، تعليمات للمحررين بالإشادة بالاتفاق بما أن الانتقادات، التي يخشونها، يمكنها عرقلة ذلك الإنجاز التاريخي. وفي غضون ذلك، وقفت آلة الرقابة الإيرانية متأهبة لقمع كل من لا يتبع التوجيهات، ففي الفترة بين أواخر يوليو ومطلع أغسطس، أغلق مكتب الرقابة على الصحف الصحيفة المتشددة "9 دي" بعد أن علقت بشكل لاذع على الاتفاق، وحذر المكتب صحيفتي "كيهان" و"رجا نيوز" من تغطيتهما المنتقدة.

لدى الوزارة، التي تصعد تقاريرها إلى الرئاسة الإيرانية، مبرر لقمع الانتقادات الموجهة للاتفاق. فتشجيع الانقسام بشأن الاتفاق الإيراني يمكنه إضعاف الدعم الوطني لروحاني. وفي ضوء ابتعاد خامئني عن التأييد الصريح للاتفاق، وحقيقة أن قوله النهائي بشأن تبني قرار ضروري، يعتبر ذلك الدعم حاسما إن أراد روحاني أن يطبق الاتفاق. علاوة على ذلك، يمكن افتراض أن الخطاب الإيراني المتشدد يصعب على الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن يمرر الاتفاق عبر الكونجرس الأمريكي، بما أن الانتقادات القاسية والخطاب المعادي لأمريكا سيعززوا الانعدام الشديد للثقة في النوايا الإيرانية.

بالتأكيد ليس مفاجئا أن طهران كانت لديها يد ثقيلة في تشكيل التصورات الإعلامية تجاه الاتفاق النووي. إلا أن المدهش أنه، على خلاف الماضي، استهدفت جهود احتواء الانتقادات الصحف المتشددة بدلا من الصحف الإصلاحية، ما يشير إلى تحول جذري في السياسات الإيرانية. أمكن حتى الآن السيطرة على الانتقادات، ولكن احتمالية أن تصبح الأمور أسوء ستلوح إن ضعف موقف الرئيس. ومن هذا المنطلق، سيلعب تصويت الكونجرس في سبتمبر دورا حاسما، حيث سيطيح الرفض بطاولة المفاوضات، وستزيد مزاعم فشل روحاني داخل إيران الثقل السياسي للمتشددين. إن حدث ذلك، يرجح تدهور العلاقات بين إيران والغرب سريعا، وقد يتبع ذلك مواجهة حاسمة وعنيفة. بينما يكمن أمل الكثير من المراقبين الإيرانيين في أن الكونجرس الأمريكي لن يقدم للمتشددين الإيرانيين ذخيرة تلك المعركة.

فيتوريو فيلسي باحث بمركز الدراسات الشرق أوسطية التابع لجامعة "لوند".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب