لحظة الأكراد التاريخية في تركيا

مقال رأي

أعمال العنف التي قام بها «حزب العمال الكردستاني» مؤخراً في تركيا، ومن ضمنها قتل عنصرين في الشرطة بطريقة شبيهة بالإعدام في 23 تموز/يوليو، تنذر بالشؤم. فقد جاءت هجمات الحزب رداً على قصف تركيا لمعسكراته في العراق. وبعد انقطاع أعمال العنف الكردية طوال السنوات الأربع الماضية، تواجه تركيا مرة أخرى خطر الوقوع في دوامة جديدة من القتال.

ومع ذلك، إذا تمكن الأتراك والأكراد من أخذ العبرة من التطورات الأخيرة، من بينها النجاح الذي حققه «حزب الشعوب الديمقراطي» (أو «حزب ديمقراطية الشعوب») القومي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في تركيا في 7 حزيران/يونيو، وإذا أخذوا أيضاً عبرة من أمثلة ناجحة حول نزع فتيل التوترات العرقية، كما في إسبانيا مثلاً، قد تنجو تركيا من الوقوع في دوامة العنف.

إن وصول «حزب الشعوب الديمقراطي» إلى البرلمان التركي هو تطور تاريخي: فللمرة الأولى، تخطّى حزب قومي كردي عتبة الـ 10 في المائة المطلوبة للانضمام إلى السلطة التشريعية. فعبر ترشحه إلى جانب تحالف ليبرالي، حاز ««حزب ديمقراطية الشعوب» على 80 مقعداً من أصل 550 مقعداً في البرلمان وأصبح قوة لا يستهان بها. وقد يختلف المرء مع الأكراد اليوم، ولكن لم يعد بإمكانه تجاهل سياساتهم.

إن الأكراد الأتراك متحمسون من التطورات عبر الحدود: فالأكراد في العراق يديرون شؤونهم داخل «حكومة إقليم كردستان» المستقلة إسمياً، ومنذ بداية الحرب الأهلية في سوريا، أنشأ الأكراد السوريون مناطق مستقلة بحكم الأمر الواقع، تُسمى كلها معاً «كردستان الغربية».

يجب أن تعالج تركيا شكاوى الأكراد، ولكن السير على خطى بعض الدول الإقليمية كسوريا أو العراق أو إيران ليس بالضرورة الطريقة الفضلى للقيام بذلك. ففي تلك البلدان، تعيش الغالبية العظمى من الأكراد ضمن حدود مواطنها التاريخية، أو منطقة «كردستان» الخاصة بها. ولكن في تركيا، نزح نصف الأكراد من موطنهم في جنوب شرق البلاد، كما أن إسطنبول هي المدينة التي تضم أكبر عدد من السكان الأكراد في العالم.

ولا ينتشر الأكراد في تركيا جغرافياً فحسب، بل إنهم يندمجون في المجتمع بوتيرة متسارعة. فواحد/ة من بين كل ستة أكراد متزوج/ة من تركية/تركي. وبالتالي، فإن معالجة المطالب الكردية في تركيا تتطلب منح الحقوق الثقافية الشاملة لجميع المواطنين في البلاد، من بينهم الأكراد، بغض النظر عن المناطق. وقد تتضمن الإصلاحات توفير التعليم وغيره من الخدمات العامة ليس فقط باللغة الكردية، بل أيضاً بلغات الأقليات الأخرى التي قد يكون هناك طلب لها. والعنصر المكمل لهذه الإصلاحات هو الاستقلال الإداري، فتركيا بلد كبير يحتاج إلى اللامركزية. ويطالب الأكراد بالحكم الذاتي في جنوب شرق البلاد، إلا أن الغالبية العظمى من الأتراك تعارض الفدرالية المطلقة.

وفي هذا الصدد، يمكن أن تدرس تركيا الإصلاحات الإدارية التي بدأت إسبانيا بتطبيقها في ثمانينيات القرن الماضي. ففي النظام السياسي الإسباني اللامركزي، تتمتع مناطق معينة، كمنطقة إقليم الباسك، باستقلال إداري أوسع من غيرها. ولكن جميع المناطق خاضعة لسلطة الحكومة الإسبانية. وعبر منح سكان إقليم الباسك سلطة سياسية محلية، سحبت إسبانيا البساط من تحت قدمي الجناح العنيف من حركة الباسك القومية.

ويمكن أن تتبع تركيا مساراً مماثلاً من اللامركزية وأن تمنح المحافظات الكردية وغيرها من المناطق الواقعة في أطراف البلاد استقلالاً إدارياً أوسع مع الحفاظ على الوحدة الدستورية. ومع ذلك، لا يمكن تطبيق التجربة الإسبانية كلياً في تركيا. فمنطقة إقليم الباسك الغنية تتمتع باستقلال مالي كامل تقريباً عن مدريد، أما المحافظات الكردية الفقيرة في جنوب شرق تركيا فتعتمد على باقي مناطق البلاد للحصول على تحويلات مالية صافية.

ومع ذلك، يجب أن تستوحي تركيا من المثال الليبرالي الإسباني للتقدم، لا من الحرب السورية. وعند هذه النقطة تتقاطع أجندات الليبراليين والأكراد. فـ «حزب الشعوب الديمقراطي» تمكن من الوصول إلى البرلمان والفوز بكتلة مؤثرة، مكونة من 80 نائباً، بفضل دعم الليبراليين له. يجب على الحركة الكردية أن تحافظ على نهجها اللاعنفي. وسوف يكون للأكراد دور في السياسة التركية فقط إذا حافظ «حزب الشعوب الديمقراطي» على نهجه الليبرالي، وبذلك يزيد من قوته على الصعيد الوطني.

وهنا يدخل «حزب العمال الكردستاني» وعبدالله أوجلان في المعادلة. لقد أطلق أوجلان، مؤسس الحزب ذو الشخصية الجذابة الذي يقضي عقوبة سجن مدى الحياة في معتقل في جزيرة منذ عام 1999، محادثات سلام مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عام 2013، أعلن بعدها «حزب العمال الكردستاني» وقف إطلاق النار مع تركيا. ولكن بعد حملة القصف التركية الأخيرة، أعلنت الجماعة عن انتهاء وقف إطلاق النار وأطلقت حملة لاغتيال عناصر في الأجهزة الأمنية التركية.

ويريد أردوغان استغلال هذه التطورات بما يصب في صالحه، بهدف تعزيز وضع «حزب العدالة والتنمية» الذي يرأسه في الانتخابات المبكرة المحتملة (فقد أنتجت الانتخابات التي جرت  في 7 حزيران/يونيو برلماناً معلقاً، ويتوقع المحللون أن تذهب تركيا إلى انتخابات مبكرة). إن «حزب الشعوب الديمقراطي» هو الذراع السياسية للأكراد في تركيا، ولكنه نتاج من «حزب العمال الكردستاني» وتابع له. ويأمل الرئيس التركي في أن يعجز «حزب ديمقراطية الشعوب» عن نبذ العنف الذي يمارسه «حزب العمال الكردستاني»، إذ إن موقفاً كهذا يمكن أن يؤدي إلى خسارة «حزب الشعوب الديمقراطي» عتبة الـ 10 في المائة في الانتخابات المبكرة، لأن الناخبين الليبراليين سيهجرون الحزب في هذه الحالة. وإذا لم يتخطى «حزب ديمقراطية الشعوب» العتبة الانتخابية، سوف يستعيد «حزب العدالة والتنمية» مقاعده كثاني أقوى حزب في المحافظات الكردية، الأمر الذي يمنح حزب أردوغان الأغلبية التشريعية مرة أخرى.

وفي النهاية، سوف يستفيد الأتراك والأكراد على حد سواء إذا توافقا، نظراً إلى أنهما يواجهان تهديداً مشتركاً اليوم، وهو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية»، الذي دبّر تفجيراً انتحارياً في 20 حزيران/يونيو في مدينة سروج الحدودية التركية، الأمر الذي أسفر عن مقتل 31 شخصاً من الأتراك والأكراد على حد سواء.

وقد تختلف الأمور إذا حافظت الحركة الكردية و«حزب ديمقراطية الشعوب» على التزامهما بالسلام، مما يجهض مخطط أردوغان. وفي المستقبل، يمكن لحركة كردية ليبرالية لاعنفية أن تتحالف في النهاية مع الجناح الديمقراطي الاشتراكي من المجتمع التركي، فيصبحان بذلك أكبر حركة معارضة في البلاد. إنها لحظة تاريخية للأكراد في تركيا، وستكون حاسمة بالنسبة لهم - فهل سيتسغلونها أم ستفوتهم؟

 

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy