لماذا انهارت سوق الأسهم العالمية؟

تقرير صحفي

 انخفضت أسواق الأسهم حول العالم بصورةٍ كبيرة يوم الاثنين. بدأت المذبحة بانخفاضٍ قدره 8.5 بالمئة في مؤشر شنغهاي المجمع الصيني. تبعته الأسواق في اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا. أثار ذلك موجة بيع في الأسواق الأوروبية والولايات المتحدة. انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز الذي يقيس أداء 500 سهم لكبرى الشركات الأمريكية بنسبة حوالي 4 بالمئة يوم الاثنين، مضيفا إلى خسائر الأسبوع الماضي.

لم تتعامل وسائل الإعلام مع الأخبار بهدوء. كانت الصفحة الرئيسية لـ"سي إن إن" ممثلةً إلى حدٍ كبير:

كان هناك بعض الأسباب الحقيقية لقلق المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

في الولايات المتحدة، أنتجت 6 أعوام من المكاسب أسعارا يعتقد بعض الخبراء أنها غير قابلة للاستمرار. الاقتصاد الصيني يتباطأ، ما قد يسفر ليس فقط عن مصاعب اقتصادية وإنما أيضا تحدياتٍ سياسية للحكومة الصينية. وبينما مازال أغلب أوروبا يكافح للخروج من الانكماش الاقتصادي الأخير، فإن المزيد من اضطراب السوق هو آخر ما تحتاجه.

بعبارةٍ أخرى، تواجه العديد من القوى الكبرى الدافعة للطلب العالمي مشاكل مستقبلا. وإذا تصدعت في وقتٍ متزامن، فسيكون ذلك شيئا سيئا.

لكن من الممكن أيضا ألا يكون لاضطراب سوق الأسهم هذا الأسبوع تأثيرٌ أوسع. أحيانا يصاب المتداولون بالذعر بسبب ما يبدو أخبارا اقتصادية سيئة، لكن بعد ذلك ينتهي الأمر بالاقتصادات العالمية في حالةٍ جيدة.

ظلت البورصة الأمريكية ترتفع لست سنوات

هبطت البورصة الأمريكية حوالي 10 بالمئة من أعلى مستوىً لها هذا الصيف. إنه انخفاضٌ كبير، لكنه يبدو أقل حجما عندما تنظر إلى الصورة الأكبر. هذا لأن البورصة الأمريكية تمتعت بارتفاعٍ هائل خلال الأعوام الستة الماضية. حتى بعد هبوط يوم الاثنين، مازال مؤشر ستاندرد آند بورز-500 أعلى بنسبة 170 بالمئة عن نقطة انهيار البورصة عام 2009، وبنسبة 20 بالمئة عن أعلى قمة سابقة له عام 2007.

هل ارتفع السوق أعلى مما يجب؟ إحدى الطرق لمعرفة هذا هي مقارنة أسعار أسهم الشركات بأرباحها. كانت النسبة، التي تعرف باسم "نسبة السعر إلى الأرباح"، تاريخيا مؤشرا جيدا جدا حول ما إذا كان السوق أعلى أو أقل من قيمته الحقيقية. في الوقت الحالي، تلك النسبة أعلى بكثير من المتوسط التاريخي:

نسبة السعر إلى الأرباح بناءً على 10 أعوام من الأرباح

في بداية عام 2015، كانت نسبة السعر إلى الأرباح حوالي 26. يتساوى ذلك تقريبا مع ذروة فقاعة البورصة عام 1929، وأعلى من أي نقطة بين عامي 1930 و1990. إذا كان ارتفاع نسبة السعر إلى الأرباح هو مؤشرٌ على أن السوق مُبالغ قيمته، فإن ذلك الرسم البياني ينبغي أن يجعل حاملي الأسهم شديدي التوتر.

لكن الحجة المقابلة هي أن نسب السعر إلى الأرباح تؤثر عليها أسعار الفائدة. إذا كانت أسعار الفائدة منخفضة، يكون الناس أكثر استعدادا لدفع المزيد من أجل الأسهم من أجل تعظيم عوائدهم. عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة – كما حدث في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات – تميل أسعار الأسهم إلى الهبوط، حيث أن الناس يمكن أن يحصلوا على عوائد مرتفعة بدون المخاطرة بامتلاك أسهمٍ متقلبة.

لذا فما إذا كنت تعتقد أن الأسهم مبالغ في قيمتها يعتمد على ما تعتقد أنه سيحدث لأسعار الفائدة. إذا ارتفعت أسعار الفائدة سريعا خلال السنوات القليلة القادمة، قد تنخفض أسعار الأسهم أكثر بكثير. من ناحيةٍ أخرى، إذا ظلت أسعار الفائدة منخفضة، قد تظل أسعار الأسهم مرتفعة لوقتٍ طويل.

النموذج الاقتصادي الصيني يفقد قوته

طوال السنوات الـ25 الماضية، حقق الاقتصاد الصيني معدلات نمو مبهرة. حيث بينما كان الاقتصاد الأمريكي ينمو بمعدل 2 أو 3 بالمئة سنويا، كانت الصيني تنمو بمعدل 7 إلى 10 بالمئة كل عام. سهل هذا النمو استراتيجية تنمية تتجه للتصدير وضعت الشعب الصيني للعمل في صنع منتجاتٍ للشركات العالمية.

كانت الاستراتيجية ناجحة حتى الآن، لكنها أيضا لها حدود بطبيعتها. هناك فقط طلبٌ عالمي بذلك القدر على ذلك النوع من العمل، وبينما يرتفع مستوى المعيشة في الصين، سوف يصبح من الأصعب المنافسة مع البلدان الأخرى ذات الأجر المنخفض.

لذا فمن أجل الاستمرار في النمو، تحتاج الصين إلى تنويع اقتصادها. تحتاج الشركات الصينية إلى انتاج بضائع وخدمات أكثر للاستهلاك المحلي بدلا من التصدير. ويحتاجون إلى أن يصبحوا أفضل في تصميم وتسويق منتجاتهم الجديدة، بدلا من تصنيعها فقط.

لكن الاقتصاد الصيني ليس معدا لذلك النوع من النمو المدفوع من الداخل. يتحكم في حصةٍ كبيرة من الاقتصاد الصيني شركاتٌ بيروقراطية مملوكة للدولة تخسر أموالا على الدوام. تلك الشركات معزولة عن قوى السوق، وكنتيجةٍ لذلك فهي عادة ما تتخذ قرارات الانتاج بناءً على اعتباراتٍ سياسية وليست اقتصادية.

خلال العام الماضي، كانت هناك إشاراتٍ متنامية على أن الاقتصاد الصيني يتباطأ. كان معدل النمو الرسمي 7 بالمئة العام الماضي، لكن يُشتبه على نطاقٍ واسع أن ذلك الرقم مبالغٌ فيه. حتى بعض المسؤولين الصينيين قد اعترفوا سرا أن مؤشرات معدل النمو الصيني غير جديرة بالثقة.

مؤشر بورصة شنغهاي المجمع خلال العام الماضي

في منتصف 2014، بدأت البورصة الصينية في الارتفاع الشديد رغم التوقعات الاقتصادية القاتمة بشكلٍ متزايد للبلاد. كان أحد الأسباب هو قيام الحكومة بتخفيف القواعد التنظيمية المصممة لمنع المستثمرين العاديين من شراء الأسهم بأموالٍ مُقتَرضة. بحلول أوائل عام 2015، أصبح المسؤولون متخوفين من أن أسعار الأسهم قد أصبحت تتجاوز قيمتها وبدأوا في الضغط على المكابح، ما أسفر عن انخفاض البورصة الذي بدأ في يونيو 2015.

في يوليو، اتخذت الصين عددا من الإجراءات القاسية لإيقاف سقوط سوق الأوراق المالية. في تلك العملية، ربطت الصين البورصة بهيبتها الخاصة بصورةٍ أكثر إحكاما. ما جعل الأمر أكثر احراجا عندما بدأت الأسهم في الهبوط مجددا الأسبوع الماضي.

الخطر الحقيقي بالنسبة للحكومة ليس فقط أن الصين سوف تدخل في مرحلة ركود. وإنما أن سوق أسهم ينخفض وتراجعٍ اقتصادي سوف يهزان الثقة العامة في المؤسسات السياسية الصينية بشكلٍ عام. جعلت الحكومة الصينية النمو الاقتصادي السريع جزءا محوريا من صفقتها مع الشعب الصيني. إذا ترنح ذلك النمو، فقد يشكل ذلك ضررا حقيقيا على شرعية الحكومة.

الاقتصادات الغربية – خاصة في أوروبا – ما تزال هشة

الاقتصاد الصيني كبير، لكنه ليس كبيرا للغاية إلى درجة أن اقتصادا صينيا مترنحا يجلب نهاية الاقتصادات المتقدمة في الغرب. على سبيل المثال، شكلت الصادرات إلى الصين أقل من 1 بالمئة من الناتج الاقتصادي الأمريكي عام 2012.

لكن هناك سبيين يجعلان اقتصادا صينيا متراجعا خبرا سيئا للشركات المدرجة في بورصات الولايات المتحدة وأوروبا.

أحدهما هو أن العديد من البلدان الأوروبية ما تزال تعاني من دوارٍ اقتصادي من الأزمة المالية لعام 2008. في الوضع العادي، تكافح البنوك المركزية الركود عبر تخفيض أسعار الفائدة. لكن في كلٍ من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، فإن أسعار الفائدة على المدة القصير قد انخفضت إلى صفر، ما يجعل تلك الآليات غير فعالة.

كان الخيار الثاني للبنوك المركزية، والذي يعرف باسم "التسهيل الكمي"، مثيرا للجدل. لذا فقد اقتصد مجلس الاحتياطي الاتحادي والبنك المركزي الأوروبي في استخدامه. النتيجة: تعافي بطيء في الولايات المتحدة، ونتائج أسوأ في بعض أجزاء أوروبا، حيث لا تزال نسبة البطالة مكونة من رقمين. ذلك التباطؤ الاقتصادي – وتردد البنوك المركزية في استخدام آليات مثيرة للجدل لدعم الاقتصاد – يجعلهم سريعي التأثر بشكل خاص بتناقص الصادرات.  

أما السبب الثاني فهو أن الشركات المدرجة في أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية هي شركاتٌ متعددة الجنسيات على نحوٍ غير متكافئ تقوم بجزءٍ كبير من أعمالها في الصين. على سبيل المثال، يأتي رُبع أرباح شركة أبل من الصين، لذا فإن تراجعا اقتصاديا في الصين هو حدثٌ جلل بالنسبة لأكبر الأسهم الأمريكية.

أو قد لا يكون لانهيار يوم الاثنين أي تأثير أوسع

عندما ينهار سوق الأسهم، لدى الخبراء ميلا طبيعيا لتصوير الأمر على أنه مؤشر على اتجاهاتٍ اقتصاديةٍ أوسع نطاقا. ومن الممكن أن يتضح أن اضطراب سوق الأسهم – مثل أغلب انخفاضات سوق الأسهم عامي 2000 و2007 – الهزات الأولى لزلزالٍ اقتصاديٍ أكبر.

لكن أحيانا يصاب المتداولون بالذعر بدون سبب وجيه. على سبيل المثال، هبطت سوق الأسهم أكثر من 20 بالمئة في التاسع عشر من أكتوبر 1987. وعقب ذلك، كان الاقتصاد الأمريكي بخير حال. استمر الاقتصاد في النمو. تعافى سوق الأسهم من خسائره في أقل من عامين، واستمر لينتج سوق التسعينات الصاعدة.

قد يتضج أن اضطراب سوق الأسهم مثل ذلك إلى حدٍ كبير – مصدر ضغط على المتداولين في أسواق الأسهم العالمية، لكنه ليس بالضرورة علامة على مشاكل اقتصادية أكبر تلوح في الأفق.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب