لماذا ينبغي أن تركز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة على التعليم؟

تقرير صحفي

 ستضع الأمم المتحدة، في سبتمبر، اللمسات الأخيرة على حزمة جديدة من الأهداف الإنمائية التي ستوجه جهود الدول الأعضاء الرامية إلى تحسين الظروف المعيشية في جميع أنحاء العالم. وإن الأهداف الـ 17 للتنمية المستدامة كبيرة من حيث الطموح - إنهم يعتزمون "إنهاء الفقر بجميع أشكاله في كل مكان" بحلول عام 2030 – وهزيلة من حيث الجوهر. والأهم من ذلك أن نهج الأهداف الـ 17 للتنمية المستدامة بشأن التعليم غير كاف.

إن توسيع التعليم الجيد هو السبيل الوحيد المستطاع لتحقيق النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وهذا هو السبب في أن التركيز القوي والمتماسك على التعليم يُعد أمرًا أساسيًا لنجاح جدول أعمال التنمية العالمية. ولسوء الحظ، إن الغاية الحالية لأهداف التنمية المستدامة المتمثلة في "ضمان جودة تعليم شاملة وعادلة" غامضة جدًا، ولا تقدم أي توجيه لقياس الزيادات في مستويات المهارة المعرفية. يمكن لمجتمع التنمية العالمي أن يفعل ما هو أفضل.

الإحصاء هو ما يهم

لقد أكدت مجموعة متزايدة من البحوث على أهمية المهارات المعرفية، أو رأس المال المعرفي، في دفع عجلة النمو الاقتصادي. ومع مرور الوقت، يتحسن رأس المال المعرفي للأمة كلما دخل شباب يمتلكون تعليمًا أفضل إلى سوق العمل. تؤدي قوة عمل أكثر مهارة إلى زيادة النمو الاقتصادي.

وإدراكًا لأهمية التعليم، تضمنت الأهداف الإنمائية للألفية السابقة غايةً للوصول إلى تعليم ابتدائي عالمي بحلول عام 2015. وعلى الرغم من أن البلدان النامية قد قامت، في الواقع، بتوسيع كبير في الوصول إلى التعليم المدرسي على مدى العقدين الماضيين، إلا أن الكثير منها لا يزال لم يترجم التعليم المتزايد في رفاه اقتصادي. ويتمثل السبب في تركيز العديد من البلدان على زيادة عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس بدلًا من التركيز على النتائج التعليمية.

لا يقاس رأس المال المعرفي عن طريق الالتحاق بالمدارس، كما تتحول زيادة إمكانية الوصول إلى المدارس وحدها إلى هدف ناقص وغير فعال في سبيل التنمية. لقد أظهرنا في بحث حديث أنه حتى في البلدان ذات الدخل المتوسط، حيث متوسطات إتمام مرحلة التعليم الابتدائي تصل فقط إلى 75 في المئة، يُعد تحقيق مكاسب اقتصادية من تحسين نوعية المدارس دون محاولة لزيادة الالتحاق بها كبيرًا، في ثلاث مرات، كتوسيع الالتحاق دون تحسين الجودة.

بدلًا من مجرد زيادة فرص الحصول على التعليم، ينبغي أن يتمثل الهدف التعليمي المركزي ما بعد عام 2015 في أن "يحقق جميع الشباب المهارات الأساسية على الأقل". ويتضمن هذا الهدف الشرط الحالي بالتحاق الشباب بشكل كامل بالمدرسة، ويشدد أيضًا على اكتساب المهارات بشكل قابل للقياس. ولأن التقدم في الإنجاز يمكن تقييمه بسهولة على أساس ثابت عبر البلدان، فإنه يمكن استخدامه بالتالي لتوجيه الاهتمام والموارد لتحقيق النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

علم الأمم

في دراسة حديثة للمهارات المعرفية والتنمية الشاملة، استخدمنا بيانات من 76 دولة متوسطة ومرتفعة الدخل لتقدير الآثار الاقتصادية المترتبة على رفع مستوى السكان غير المهرة في كل بلد إلى المستوى الأول في الرياضيات والعلوم وفقًا للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة. وهو المستوى الذي يمثل محو الأمية الوظيفية الحديثة ويعد مقياسًا مفيدًا للمهارات الأساسية اللازمة للمشاركة الاقتصادية.

والربح الاقتصادي المتوقع من التأكد من أن كل شخص يمتلك المهارات الأساسية لافت للنظر بالنسبة إلى جميع البلدان، في جميع مستويات الدخل. لكن مما لا يثير الدهشة أن الدول الأقل دخلًا، حيث تمتلك المعدلات الحالية للالتحاق بالمدارس والإنجاز الإمكانية الأكبر للنمو، ستكسب أكثر من غيرها. لدى غانا، على سبيل المثال، أدنى معدل التحاق بالمدارس الثانوية (46 في المئة) من بين العينة التي لدينا، وأيضًا أدنى مستويات الإنجاز الموجود في المدرسة (291 نقطة بحسب البرنامج الدولي لتقييم الطلبة). من غير المرجح للغاية أن تتحرك غانا بسرعة كافية لتلبية هدف المهارات العالمي في 15 عامًا؛ ولكن إذا فعلت ذلك، يظهر بحثنا أن القيمة الحالية للنمو خلال الـ 80 سنة القادمة ستعادل 38 ضعف الناتج المحلي الإجمالي الحالي.

وهدف المهارات الشاملة أكثر واقعية لعدد من البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط، وستكون النتائج مذهلة. فعبر 31 بلد متوسط الدخل، حيث توافرت البيانات، سيكون متوسط المكاسب الاقتصادية من تحقيق المهارات الأساسية العالمية أكثر من ثمانية أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي.

حتى البلدان ذات الدخل المرتفع، والتي يتم استبعادها عادة من مناقشات التنمية، ستستفيد من المهارات الأساسية العالمية. فعلى الرغم من وصول جميع مواطني معظم هذه البلدان تقريبًا إلى المدارس الابتدائية والثانوية، فإن الكثير من مواطنيها ما زالوا عاجزين عن تحقيق المهارات الأساسية. وبالنسبة إلى البلدان ذات الدخل المرتفع من أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يفتقر متوسط 20 في المئة من المواطنين إلى المهارات الأساسية. وللبلدان ذات الدخل المرتفع من غير أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما في ذلك أربع دول عربية غنية بالنفط، يفشل 36 في المئة من المواطنين في تحقيق المستوى الأول من اختبارات برنامج تقييم الطلبة.

في المتوسط، إذا كانت المهارات الأساسية العالمية، فإن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستشهد على نحو أعلى بنسبة 3.5 في المئة لمتوسط الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الـ 80 المقبلة، وهذا بالضبط ما يقرب من متوسط النسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي الذي يكرس للإنفاق على المدارس الابتدائية والثانوية. وبعبارة أخرى، إن المكاسب الاقتصادية من القضاء على ضعف الأداء في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذات الدخل المرتفع يدفع بالكامل للتعليم الابتدائي والثانوي لجميع الطلاب. والقيمة الحالية لمكاسب الدول ذات الدخل المرتفع من أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في متوسط الناتج المحلي الإجمالي الحالي تأتي في 1.6 مرة (وهو ما سيكون بالنسبة إلى الولايات المتحدة بما يقرب من 29 تريليون دولار).

 

هدف أكثر استدامة

نظرًا للمكاسب المحتملة، من المهم أن تركز أهدف التنمية المستدامة بشكل أكثر وضوحًا على تحسين المهارات المعرفية. وقد ثبت أن الاعتماد على معايير مدخلات التعليم، من قبيل نسب التلاميذ إلى المعلمين والإنفاق، يُعد نهجًا يفتقر إلى السياسة، لأن هذه المعايير ترتبط على نحو غير متسق مع مستويات المهارة لدى الطلاب. وتشير الأدلة الموجودة بكل بساطة إلى أنه من أجل تحسين النتائج التعليمية لا بديل عن القياس والتركيز على النتائج.

ستكون أهم خطوة بالنسبة للأمم المتحدة في سبيل إحداث هدف جودة واضح أن تتبعه بمهارات قابلة للقياس – مثل المستوى الأول في الرياضيات والقراءة للأطفال البالغين من العمر 15 سنة بحسب برنامج تقييم الطلبة، أو ما يعادل ذلك، أي مستوى أساسي من الرياضيات ومهارات القراءة من النوع المطلوب للمشاركة في اقتصاد عالمي تنافسي. يعني هذا الهدف ربط كل من السياسات التعليمية الوطنية والدعم الدولي بنتائج الطلاب التي تلاحظ من خلال عمليات تقييم منتظمة لمهارات الطلبة. وتتيح هذه التقييمات دعم أنظمة قوية للمساءلة، ويمكن أن تقود سياسات من قبيل رفع مستوى جودة المعلم التي أثبتت فعاليتها في جميع أنحاء العالم.

تبين أدلة التحسينات في الإنجاز على مدى العقد الماضي ونصف أنه يمكن للعديد من البلدان أن تفي عمليًا بالهدف من المهارات الأساسية العالمية على مدى السنوات الـ 15 المقبلة. على سبيل المثال، كانت بولندا قادرة على خفض حصة الطلبة ذوي التحصيل المتدني بمقدار الثلث من 22 في المئة إلى 14 في المئة في غضون عشر سنوات فقط من الإصلاحات الكبرى التي شملت تقديم الاختبار الوطني والتركيز على الأداء في المواد الأساسية. وخفضت شنغهاي حصة الطلبة ذوي التحصيل المتدني بين عامي 2009  و2012 من 4.9 في المائة إلى 3.8 في المئة من خلال التأكيد على جودة المعلم. وفي الواقع، لم تؤد سياسة واحدة إلى هذه المكاسب. بدلًا من ذلك، سيعتمد التحسين على نهج مصمم خصيصًا للقدرات الوطنية والمدرسية والطلب الكلي ومعلومات ناتجة عن الرصد المنتظم لأداء الطلاب.

إن النمو الشامل الذي أصبح ممكنًا من خلال إنجاز عالمي من المهارات الأساسية يمتلك إمكانات هائلة للحد من الفقر وتحسين الصحة وتسهيل المساواة بين الجنسين وتعزيز التكنولوجيات الجديدة اللازمة لضمان النمو المستدام. ليس هناك بديل لتحسين المهارات، والجهود المبذولة لتحسينها يجب أن تبدأ بالقياس الصحيح. وليس صحيحًا دائمًا أن "ما يمكن قياسه يمكن القيام به". لكن من الصحيح بشكل أكثر عالمية أن "ما لا يقبل القياس لا يقبل القيام به".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب