الأزمة في غواتيمالا: لماذا استقال الرئيس؟

تقرير صحفي

 على مدى الأشهر الخمسة الماضية، ملأ المحتجون الميدان المركزي لمدينة غواتيمالا مرارًا وتكرارًا للمطالبة باستقالة رئيسهم. لقد طُليت الوجوه بالألوان الوطنية، الأزرق والأبيض، ورفع المحتجون لافتاتهم، ورددوا شعاراتهم، وهدروا بمطالبهم: يجب أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها أمام الشعب. يجب أن ينتهي الفساد. يجب على الرئيس أن يرحل.

لقد حققوا الآن هدفهم. استقال الرئيس أوتو بيريز مولينا يوم الأربعاء، بعد أن أصدر النائب العام أمرًا بالقبض عليه. وفي اليوم السابق، صوَّت مجلس النواب في غواتيمالا بالإجماع على تجريده من حصانته حتَّى تكون هناك إمكانية في أن يحاكم بتهمة الفساد.

بعد تصويت يوم الثلاثاء، قالت المدعي العام في غواتيمالا، ثيلما الدانا، للصحفيين، كان من "المؤلم للغاية" أن يخضع رئيس حالي لمحاكمة جنائية، ولكن ما ثبت في هذا اليوم هو أن "العدالة يمكن أن تطال أي شخص".

وقد كان هذا، أكثر من أي شيء، هدف كل الاحتجاجات والغضب الشعبي: الفساد الشديد، الذي تجذَّر في مؤسسات وحكومة غواتيمالا، وترك البلاد غارقةً في الفقر والعنف والخوف. وهو نفس الفساد الذي أدَّى إلى انتهاك القانون في شوارع البلاد، بحيث صار لدى غواتيمالا، اعتبارًا من عام 2012، خامس أعلى معدل جرائم قتل في العالم. إن الفساد متجذِّر في المشكلة التي تعاني منها البلاد منذ حربها الأهلية التي امتدت لأربعة عقود وانتهت في عام 1996: الأجهزة العسكرية والاستخبارية التي حافظت على السلطة التي كانت قد اكتسبتها خلال الحرب استخدمتها لإثراء نفسها، على حساب قدرة البلاد على حكم نفسها بنفسها.

وهذا أكبر بكثير من الفضيحة الحالية، أو حتى من سقوط الرئيس السابق بيريز مولينا. لقد كان مطلب المحتجين دائمًا، في القلب منه، أن تطال العدالة الغواتيمالية الجميع.

فضيحة "لا لينيا": الفساد على الخط

الفضيحة التي أثارت الأزمة السياسية في غواتيمالا تُعرف باسم "لا لينيا" ("الخط") بعد رقم الهاتف الذي يُزعم أن مسؤولي الجمارك قد اتصلوا به لإجراء تعاملاتهم الفاسدة.

إن أساسيات عملية الاحتيال بسيطة نوعًا ما. لقد خلق مسؤولو الجمارك الفاسدين في غواتيمالا وثائق مزورة لإعطاء المستوردين الفاسدين رسومًا مخفَّضة للغاية على استيراد بضائعهم. وحافظ المستورد الفاسد على جزء من الخصم في مقابل دفع الباقي على سبيل الرشوة للمسؤولين الفاسدين الذين يديرون النظام. ومع مرور الوقت، تم تحويل الملايين من الدولارات من عائدات الجمارك بعيدًا عن الدولة وإلى حسابات مصرفية خاصَّة بالمسؤولين الفاسدين.

إن نظام الجمارك يعود لسنوات عديدة، تسبق إدارة بيريز مولينا. ولكن وفقًا لانسايت كرايم، بمجرد تولى بيريز مولينا الرئاسة، قام هو ورفاقه بالسيطرة على النظام وتوسيع نطاقه، مطالبين برشاوى أكبر وأكبر. وفي تلك المرحلة، بدأ المستوردون التعاون مع محققي مكافحة الفساد.

عادة، يمكن لحكومة غواتيمالا أن تُغلق أي تحقيق قد يُشكل تهديدًا سياسيًا خطيرًا. لكن تمَّ تفعيل هذا التحقيق من قِبل وكالة خاصَّة تابعة للأمم المتحدة تُعرف باسم اللجنة الدولية لمكافحة الفساد في غواتيمالا، وتعرف عادة بالاختصار الأسباني "سي أي سي أي جي"، وهي مكلفة بمطاردة الفساد في غواتيمالا (أنت تعرف أن الأمور سيئة عندما يكون لديك وكالة خاصَّة تابعة للأمم المتحدة للتعامل مع الفساد في بلدك). وتعمل اللجنة الدولية إلى حد كبير عن طريق أجانب، ولكنها تعمل مع مدعين ومحاكم غواتيمالية لرفع الدعاوى، بدلًا من إرسالها إلى محكمة دولية.

يعرف الغواتيماليون أن حكومتهم فاسدة، ولكن الأشياء التي وجدها تحقيق اللجنة الدولية أثارت ضجَّة عامة لم يسبق لها مثيل. وبدأت الاحتجاجات فورًا في أبريل واستمرت في النمو كلما ظهرت أدلة جديدة واعتقالات جديدة.

ونائبة الرئيس، روكسانا بالديتي، استقالت في مايو واعتقلت في أغسطس. وكذلك تمَّ الآن القبض على أكثر من عشرة آخرين. وفي أغسطس، قامت الغرفة التجارية القوية في البلاد، والتي كانت حلفيًا تقليديًا لبيريز مولينا وغيره ممن هم داخل المؤسسة السياسية المحافظة في غواتيمالا، بدعوة بيريز مولينا علنًا للاستقالة بعد أن كشفت اللجنة دليلًا جديدًا يُفيد أن الرئيس كان زعيمًا في قضية لا لينيا، وليس مجرد شخص مستفيد منها. وفي 28 أغسطس، أُغلقت الشركات في جميع أنحاء البلاد من أجل إضراب عام للمطالبة باستقالة بيريز مولينا.

بالنسبة إلى شخص ينظر من الخارج، ثم، قد يبدو وكأن التحقيق يعمل على اجتثاث العناصر الفاسدة. ولكن يعرف الغواتيماليون أن مشكلة الفساد أكبر من الرئيس نفسه: إنه تعفنٌ عميقٌ يجعل كل الشوارع غير آمنة.

الفساد في غواتيمالا يعود إلى عنف "الجماعات السرية"، التي تستغل وتقوض الدولة من الداخل

ليس الفساد في غواتيمالا مجرد طغمة قليلة ضالة تعمل على استغلال النظام؛ إنه النظام نفسه. إنه شبكة من المنظمات المتينة التي تظل على درجة عالية من التنظيم. وعلى الرغم من أنه قد يكون ثمة فساد في الإيرادات الضريبية يمكن له أن يسقط الحكومة، إلا أن هناك أنواع أكثر تدميرًا بكثير من الفساد تقتحم هذا البلد.

تلك المؤسسات الفاسدة – التي غالبًا ما يُشار إليها في غواتيمالا باسم "الجماعات السرية" - تستخدم أيضًا اتصالاتها مع الأجهزة الحكومية والأمنية في غواتيمالا من أجل الانخراط في تهريب دولي للمخدرات وغير ذلك من أشكال الجريمة المنظمة. لقد كانوا لفترة طويلة بمثابة طفيليات تعلق بالدولة، وتترك مؤسسات غواتيمالا ضعيفة، واقتصادها راكدًا، ومدنها وبلداتها تشهد أعمال عنف كارثية. لدى اللجنة الدولية تفويضًا خاصًا لاستهداف الجماعات السرية في تحقيقاتها، وفضيحة لا لينيا تعدّ نتيجة لتلك الجهود.

تعود هذه المشكلة إلى الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد، ذلك الصراع الوحشي الذي امتد لـ 36 عامًا بين القوات الحكومية والمتمردين اليساريين في المقام الأول. وعلى الرغم من أن اتفاقات السلام التي وقِّعت في عام 1996 قد أنهت الحرب رسميًا ووضعت غواتيمالا على طريق الديمقراطية، فإنه من الناحية العملية ظل مسؤولو الجيش والاستخبارات في البلاد، الذين نمت قوتهم للغاية في سياق الحرب، على حالتهم.

لقد أنشأوا شبكات غير رسمية داخل وخارج الحكومة للانخراط في أنشطة غير مشروعة، كما يستخدمون صلاتهم بالدولة لحماية أنفسهم من الملاحقة القضائية وتسهيل عملياتهم غير المشروعة. وبعبارة أخرى، إن الناس الذين أشعلوا حرب الإبادة الجماعية القذرة في غواتيمالا لم يذهبوا إلى السجن – لقد ذهبوا مباشرة إلى البنك.

إن فضيحة لا لينيا تعدّ مثالًا مفيدًا على الكيفية التي يعمل بها ذلك الفساد. فخلال الحرب الأهلية، سيطر الجيش على وكالة الجمارك، بحجة أنه كان بحاجة إلى التمكن من منع وصول شحنات الأسلحة إلى الجماعات المتمردة. لكن على مدى عقود من الصراع، بدأ مسؤولون عسكريون في استغلال سيطرتهم على العمليات الجمركية من أجل الربح والنفوذ. وبعد انتهاء الحرب، احتفظ هؤلاء المسؤولين أنفسهم بالسيطرة على الجمارك واستخدامها للثراء الشخصي وتوجيهها لدعم حلفائهم السياسيين - بما في ذلك، في نهاية المطاف، تحول الضابط العسكري بيريز مولينا إلى رئيس.

ماذا يعني أن تعيش في واحدة من أكثر الدول فسادًا في العالم: غياب القانون وتفشي القتل

ليس الفساد المنظم في غواتيمالا مجرد مسألة متعلقة بسرقة الإيرادات الحكومية: لقد ترك الفسادُ البلاد تعاني من العنف الوحشي. الجماعات الإجرامية المنظمة التي لها علاقات مع الدولة تستخدم العنف لحماية عملياتها الإجرامية. ولأن مؤسسات الدولة، مثل الشرطة والقضاء، قد تم تقويضها بل والاستيلاء عليها من قِبل هذه الشبكات الإجرامية، فإنها لم تتمكن من الحفاظ على القانون والنظام، وهو ما سمح بدوره لعصابات الشوارع وأنواع أخرى من الجرائم العنيفة بالازدهار.

وقد كانت النتيجة كارثية. في عام 2013، كان معدل جرائم القتل في غواتيمالا 40 لكل 100 ألف شخص، خامس أعلى معدل في العالم. وتزعم حكومة بيريز مولينا أن جرائم القتل قد انخفضت إلى 31 لكل 100 ألف في عام 2014، ولا يزال من بين أعلى المعدلات في العالم، بيد أن وحدة التحقيق القضائي في البلاد قد سجلت تراجعًا أصغر من ذلك بكثير.

يرجع وباء القتل في غواتيمالا إلى حد كبير إلى عصابات الشوارع الجنائية، المعروفة باسم ماراس، التي انتشرت منذ انتهاء الحرب الأهلية. وتنخرط ماراس في مضارب الابتزاز على نطاق واسع في الأحياء الفقيرة، وكذلك في عمليات تهريب المخدرات على مستوى الشارع، وأحيانًا بالاشتراك مع جماعات إجرامية منظمة أكثر تطورًا. وهي عنيفة للغاية، وتعمل بحرية على نحو يكفي لأن يعيش المواطنين الغواتيماليين العاديين في خوف.

وفقًا لباحث العلوم السياسية ميغيل كروز، كانت ماراس قادرة على الازدهار في غواتيمالا بعد الحرب لأن الشرطة وأجهزة الأمن لم تتحول أبدًا إلى وظيفتها القانونية في وقت السلم والنظام، وبدلًا من ذلك استمرت في حماية السلطة والمصالح الخاصة بالمسؤولين العسكريين السابقين الذين استمروا في السيطرة عليها. ومن الصعب أيضًا أن يغيب عن النظر أن كلًا من ماراس و"الجماعات السرية" تعمل أحيانًا في نفس المؤسسات غير المشروعة، وهو ما يجعلهم يتسامحون مع بعضهم البعض.

كانت تلك العصابات وذلك الإرهاب الذي تم نشره مسؤولًا إلى حد كبير عن أعمال العنف التي دفعت أزمة المهاجرين الأطفال في الصيف الماضي، فقد فرَّ عشرات الآلاف من الأطفال من غواتيمالا وهندوراس والسلفادور للهروب من التجنيد القسري والتهديد بالقتل والابتزاز ومخاطر أخرى.

كيف تستخدم الجماعات السرية العنف لحماية وتوسيع نفوذها

يُظهر لنا معدل الاغتيال السياسي المرتفع في البلاد، منذ عام 1998، ذلك الإفلات من العقاب الذي يسمح بازدهار الفساد والعنف في غواتيمالا - وكذلك كيف أن ذلك، بعون اللجنة الدولية، قد تغيَّر.

في عام 1998، عندما نشر الأسقف الكاثوليكي خوان جيراردي تقرير حقوق الإنسان الذي يفصل تورط الجيش في فظائع خلال الحرب الأهلية، قام ثلاثة ضباط عسكريين بقتله انتقامًا مما فعله. وقد خرج كل من التحقيق والمحاكمة عن مسارهما مرارًا وتكرارًا نتيجة الضغوط السياسية والهجمات العنيفة، بما في ذلك هجوم بقنبلة يدوية على الفناء الخلفي لبيت أحد القضاة الذين ينظرون في القضية، لكن حوِّل الثلاثة في نهاية المطاف وتمت إدانتهم.

أحد الضباط الثلاثة، النقيب بايرون ليما، استخدم علاقاته للذهاب "من كابتن إلى كابو"، ومن ثم تحول إلى يد مأمور سجن يدير حلقة رشوة وطنية بالتعاون مع المدير الوطني لخدمات السجون في البلاد حتى تم القبض على كلاهما العام الماضي، بعد تحقيق مغاير للجنة الدولية. قيل إن ليما كان قادرًا على مغادرة السجن كلما كان يرغب في ذلك: في أوائل عام 2013، تم اكتشاف أنه كان يسافر في سيارة دفع رباعي إلى السجن حيث كان من المفترض أنه مسجون بالفعل.

توضح قصة ليما القوة الهائلة للجماعات السرية في غواتيمالا: شكلت إدانة عملياتهم المنتشرة جدًا والفعالة في اغتيال سياسيّ معروف دوليًا، فرصة وظيفية للكابتن الشباب، بدلًا من معاقبته.

لكن يدل ذلك أيضًا على قوة اللجنة الدولية لمكافحة الفساد في غواتيمالا، وهي القوة التي تأتي من استقلالها، لتعطيل هذه الأنماط من الفساد. فلأن محققيها غرباء، فإنهم محميون من نفوذ وسيطرة المسؤولين الفاسدين في غواتيمالا والجماعات الإجرامية المنظمة. وتدريبهم وخبراتهم تعني أنه يمكنهم إجراء تحقيقات جنائية على درجة عالية من الاحتراف، بما في ذلك عن طريق التنصت وتحليل الوثائق، في حين تميل الشرطة والمدعين العامين في غواتيمالا إلى التركيز على أشكال أقل موثوقية في الأدلة مثل شهادات شهود العيان.

لكن لأن تحقيقات اللجنة تجري الآن في حالة تأهب قصوى، فإنه من غير الواضح إلى أين قد تنتهي اتهاماتهم. إن ذلك مثير، ولكن مخيف أيضًا. إذا كان الأمر مجرد مسألة إرسال عدد قليل من المسؤولين الفاسدين رفيعي المستوى إلى السجن، فإن ذلك من شأنه أن يكون سببًا مباشرًا نسبيًا للاحتفال. لكن كما في لا لينيا وغيرها من الفضائح التي كشفت عنها اللجنة، إن الفساد الذي يضرب في غواتيمالا هو نظام طفيلي له جذور عميقة داخل مؤسسات الدولة، وليس مجرد تصرفات عدد قليل من الناس غير الشريفين.

وهكذا، على الرغم من أن غزو هذا النظام الطفيلي للمؤسسات الغواتيمالية قد دمَّر البلاد، فإن استئصاله فجأة يمكن أن يكون مصدره الخاص لعدم اليقين والفوضى. فهل يمكن للنخب الحالية في البلاد، خوفًا من أن تكون المقبلة في مسار العدالة، أن فعل شيئًا جذريًا، كما حدث في بلدان أخرى حيث تخشى النخبة الراسخة من انتهاء الحفل؟ إذا التُهمت الكثير من المؤسسات بسرعة كبيرة جدًا، هل يمكن أن يتركها ذلك أضعف مما كانت عليه عندما كانت تعمل تحت يد الفاسدين؟ هل يمكن أن يؤدي عدم اليقين إلى عدم استقرار سياسي يمكن أن يجلب بدوره أهواله الخاصة؟

لا شيء من هذا يقول بأن التحقيق في الفساد أو إزالة المسؤولين الفاسدين شيء سيء – إنه شيء في الواقع طال انتظاره، ويمكن أن يكون بداية لمداواة دولة كسرت بشكل رهيب لفترة طويلة جدًا، والسماح أخيرًا للغواتيماليين بإعادة بناء تلك الدولة على النحو الذي يستحقونه. لكنه عليّ فقط أقول إنه مع هذه التغييرات الجذرية والنظامية، كما يجب أن يكون، فإن فساد غواتيمالا الذي عرَّف البلاد لفترة طويلة من الصعب حقًا أن نقول ما الذي سيبدو عليه الأمر إذا تم استئصاله في نهاية المطاف.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب