فوز جيريمي كوربن وزوال حزب العمال الجديد

تقرير صحفي

 يوم الأحد، أعلن حزب العمال البريطاني أن جيريمي كوربن، عضو البرلمان البالغ من العمر 66 عاما والذي يمثل دائرة إزلنتن نورث في لندن، قد تم انتخابه زعيما جديدا للحزب. في الماضي، عبر كوربن عن دعمه لنزع السلاح النووي من جانبٍ واحد، إخراج بريطانيا من حلف الناتو، التخلص من المَلكية، ورفع الضرائب على الأغنياء، وتأميم بعض أكبر الصناعات البريطانية. في الشرق الأوسط، عارض كوربن قصف داعش ويفضل المحادثات مع حماس وحزب الله. باستثناء كير هاردي، أول زعيمٍ للحزب، ومايكل فوت، زعيمه في أوائل الثمانينات، فإن كوربن قد يعتبر الزعيم الأكثر يسارية في تاريخ حزب العمال.

اعتبر كوربن، الذي دخل البرلمان عام 1983، طويلا شخصية هامشية في السياسة البريطانية. وكان يُرى على نطاقٍ واسع كمرشحٍ ذي فرصٍ ضعيفة عندما اشترك في السباق على خلافة إد ميليباند، والذي قاد حزب العمال إلى هزيمةٍ ساحقة في الانتخابات العامة في مايو. لكن عبر تبني منظورٍ أوسع، فإن نجاح كوربن ليس مفاجئا. فهو يمثل التجلي الأخير لأزمةٍ تمر بها سياسة يسار الوسط تشمل أوروبا بالكامل في وجه النمو الاقتصادي البطيء واقتصاديات التقشف. وهو يعكس ، في السياق البريطاني، فشل جيل "حزب العمال الجديد" من القادة، والذي ظهر عندما تزعم توني بلير وجوردون براون الحزب.

في عهد ميليباند، وهو مساعد سابق لبراون أصبح زعيما للحزب عام 2010، راوغ الحزب بين الظهور كمسؤولٍ ماليا ومقاومة التخفيضات الكبيرة في الانفاق على الشؤون الاجتماعية، البنية التحتية، والبرامج الأخرى التي قدمها التحالف المحافظ-الليبرالي بينما يجادل بأن بريطانيا في خطر التحول إلى يونانٍ أخرى. بدلا من الدفع بالحُجة الكينزية التقليدية بأن خفض الانفاق خلال فترة ركود يؤدي إلى نتائج عكسية، فإن ميليباند وزعماء الحزب الآخرين تعهدوا أيضا بتخفيض عجز الميزانية وتقليص الدين العام البريطاني، والذي ارتفع سريعا خلال الركود العظيم – فقط ليس بسرعة الحكومة.

لم تكن استراتيجية التثليث التي اتبعها الحزب قائمة على الاقتصاد، لكنها عكست قناعةً سياسية لميليباند وقادة الحزب الآخرين مفادها أن جمهور الناخبين البريطاني، والذي لام الحزب على انهيار المالية العامة بعد عام 2008، لن يستمع لحُجج معاداة التقشف. إذا كان حزب العمال قد فاز بالانتخابات العامة، فإن براجماتيته ربما كانت لتكون مبررة. لكن، بعد أن فاز المحافظون بأغلبيةٍ في البرلمان وخسر حزب العمال 26 مقعدا، شعر الكثير من داعمي الحزب بالتبدد. "لم يكن لدينا ثقة في حُججنا ذاتها"، أخبرني أحد الوسطيين بالحزب. "أصبحت كذبة المحافظين مهيمنة، رغم كونها كذبة".

دخل كوربن، والذي عارض بنشاط سياسات المحافظين الاقتصادية من موقعه في المقاعد الخلفية، السباق على زعامة الحزب واعدا بمحاربة التقشف وارتفاع عدم المساواة. مثل زعماء سيريزا؛ في اليونان، بوديموس، في اسبانيا؛ وشين فين، في أيرلندا، فقد استفاد كوربن كثيرا من وضعه كدخيل. من المرشحين الثلاثة الذين تنافسوا ضده، كان اثنان – اندي بورنهام ويفيت كوبر – وزيرين في حكومة العمال الأخيرة. لم تصبح منافسة كوربن الثالثة، ليز كيندال، عضوة بالبرلمان حتى عام 2010، لكن الكثيرين من مؤيدي بلير أشادوا بها. لم يدعم بلير شخصيا أي مرشحٍ بعينه، لكنه أصدر بيانين يحذران من اختيار كوربن كزعيمٍ سوف يقود إلى كارثةٍ انتخابية لحزب العمال. بين قواعد الحزب، بلير مكروه في الوقت الحالي حتى أن تدخلاته ساعدت في ضمان فوز كوربن.

احتفل كوربن بفوزه عبر الوقوف على بار إحدى الحانات في لندن وقول: لقد كانت حملةً للأمل. لقد كانت حملةً للعدالة. لقد كانت حملةً لضم الجميع". تلك الجملة كانت إشارة إلى حقيقة أنه، خلال حملة السباق على الزعامة، انضم مئات الآلاف من الأشخاص إلى حزب العمال، وصوت أغلبهم إلى كوربن. ادعى بعض أعضاء البرلمان عن الحزب أن الزيادة في أعداد العضوية عكست حملة مستمرة نظمتها الجماعات اليسارية لإفساد الانتخابات، وليس حركة شعبية حقيقية. كان هناك بلا شك بعض الادخال المنظم، لكن كوربن جذب أيضا جماهيرا أكبر بكثير إلى ندواته ومؤمراته من المرشحين الآخرين وولد الكثير من الدعم على مواقع التواصل الاجتماعي. كان هامش فوزه أيضا أكبر بكثير من أن يكون نتيجة جهودٍ مدبرةٍ بالكامل، حيث فاز بحوالي 60 بالمئة من الأصوات، متفوقا على أقرب منافسيه، بورنهام، بأكثر من 40 نقطة مئوية.

خلال سباقٍ بدا فيه المتنافسين الآخرين رتيبين ومملين، عرض اللندني ذو اللحية شيئا مختلفا. حتى إن لم تكن العديد من مواقفه جديدة تماما – لا أعتقد أنه غير رأيه بشأن أي شيء منذ عام 1977 تقريبا"، أخبرني عضو حزب العمال الوسطي الذي تحدثت إليه – فقد وجدت وعوده بتشاورٍ أكثر مع قواعد الحزب ونهج ينطلق من القاعدة لصناعة السياسات صدىً لدى المزاج المضاد للمؤسسة. بالإضافة إلى ذلك، أبلى كوربن، وهو متحدثٌ متزن وخطيب مفوه، بلاءً حسنا دفاعا عن القيم التقليدية لحزب العمال. "ألا يمكننا أن نكون فخورين بأن يكون لدينا مجتمع يوجد به شبكة أمان تمنع سقوط الناس إلى العوز؟"، سأل كوربن خلال إحدى المناظرات. بدا منافسيه، في المقابل، مفتقدين للشغف والاقتناع.

إذا ما الذي سيحدث الآن؟ لطف كوربن بالفعل بعض آرائه الأكثر راديكالية، قائلا إنه ليس هناك دعما شعبيا كبيرا لإلغاء الملكية أو الانسحاب من الناتو. لكن من المرجح أن يظل ثابتا بشأن برنامجه الاقتصادي، والذي يتضمن التراجع عن بعض تخفيضات الانفاق، تأميم شركات الطاقة والسكك الحديدية، إلغاء رسوم الدراسة الجامعية، وإقامة  بنك استثمار وطني للإسكان والبنية التحتية والصناعات الجديدة. لدفع مقابل تلك السياسات، وعد كوربن بزيادة الضرئب على الأغنياء، تضييق الخناق على المتهربين من ضرائب الشركات، والاعتماد على بنك انجلترا لطبع المزيد من الأموال إذا تطلب الأمر.

في البرلمان والصحف البريطانية، الاعتقاد السائد هو أن الانتخابات القادمة، والتي لن تحدث قبل عام 2020، قد تم تقرير نتيجتها بالفعل، وقد خسرها حزب العمال. يتوقع بعض الخبراء إعادة للانتخابات العامة عام 1983، التي خاضها حزب العمال بسياساتٍ كانت بطرقٍ عدة مشابهة لتلك الخاصة بكورين، والتي نتج عنها أسوأ هزيمة له منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. مع وجود خمس سنوات قبل يوم الاقتراع، فإن تلك التوقعات لا تساوي الكثير. لكن مع محو الحزب تقريبا من اسكتلندا، والتي كانت أحد معاقله فيما مضى، في الانتخابات العامة التي جرت العام الحالي، فإن الحزب يواجه  بلا شك تحديا كبيرا.

إذا كان لدى بريطانيا نظام سياسي يعتمد على التمثيل النسبي، مثل أسبانيا واليونان، فإن حزبا يعلن أنه يساري قد يستطيع، ربما، أن يتطلع إلى الحصول على تمثيلٍ كبير في البرلمان وتشكيل حكومةٍ ائتلافية مع باقي المجموعات غير المحافظة. بدلا من ذلك فإن بريطانيا لديها نظام انتخابي عتيق وهو الفوز للأكثر أصواتا، والذي يعاقب أحزاب الأقلية ويكافئ عادة الاعتدال. في عهد بلير وزملائه في "العمال الجديد"، بدا أن حزب العمال، لمدة حوالي عقدين، قد احتكر الوسط وأزاح المحافظين كحزب الحكومة الطبيعي.

لكن في العقد الماضي، ضل تيار "حزب العمال الجديد" طريقه. اشتراك بلير المتحمس في حرب العراق شق الحزب وقوض ادعاءه بالقيادة الأخلاقية. (قال كوربن إنه لن يرفض ملاحقة بلير لارتكاب جرائم حرب). ثم قوض الركود العظيم شعبية حزب العمال كالوكيل المختص بالاقتصاد. جرد رد فعل الناخب الذي أعقب ذلك قيادة الحزب من الثقة الفكرية إلى الدفاع عن فلسفته الوسطية، والتي كانت قائمة على تعزيز النمو الاقتصادي واستخدام عوائد الضرائب التي يولدها لتمويل استثماراتٍ واسعة النطاق في الخدمات العامة – المدارس، المستشفيات، وهكذا – بجانب برامج لمحدودي الدخل والفقراء.

ببطأ لكن بثبات، يتم تفكيك إرث تيار "حزب العمال الجديد" وحكومات الحزب السابقة. تحت عباءة الأصولية المالية، يبدو رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وتابعه الفكري جورج أوزبورن، وزير الخزانة، والحكومة المحافظة عازمين على تقليل حجم الحكومة، بالنسبة لحجم الاقتصاد الكلي، إلى ما كان عليه في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، قبل التوسع الكبير في دولة الرفاهة الذي حدث تحت حكم حكومة ما بعد الحرب بقيادة حزب العمال.

عقب انتصار كوربن، سوف تعتمد مقاومة مشروع خفض العمالة المحافظ، وإقناع جمهور الناخبين البريطاني أن حزب العمال لديه بديل قابل للتطبيق ليعرضه عليه. قضى كورين يوم الأحد ليشكل حكومة ظل جديدة. يوم الاثنين، سوف يلتقي زملاءه في الحزب في البرلمان، ثم سيلقي، حسب بعض التقارير، كلمة أمام حشد جماهيري بجانب زميله في حملات مكافحة التقشف، يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني السابق. ولأن كلاهما نتيجة للأزمة الحالية في الديمقراطية الاجتماعية، فإن ذلك مناسب تماما.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب