المساعدات الخليجيّة لمصر تنخفض ووعود الاستثمار لم تتحقّق

مقال رأي

بوعود خليجيّة غير مسبوقة، حاول النظام الجديد في مصر برئاسة عبد الفتّاح السيسي الخروج من عنق الأزمة الاقتصاديّة التي حلّت بمصر، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمّد مرسي. غير أنّ الدعم من الدول الخليجية أصبح أقل قابلية للاعتماد عليه مما كان يأمل الكثيرون.

كانت البداية من المملكة العربيّة السعوديّة التي سارعت إلى الإعلان عن حزمة مساعدات، فور عزل الجيش مرسي في 3 تمّوز/يوليو من العام الماضي. بدأت هذه الحزمة بتقديم 5 مليارات دولار إلى مصر مقسّمة بين وديعة مصرفيّة قيمتها مليارا دولار، وكميّات كبيرة من الموادّ النفطيّة بملياري دولار أيضاً، إضافة إلى تقديم المليار المتبقّي نقداً.

لم يتوقّف قطار المساعدات عند محطّة الرياض، بل انتقل سريعاً إلى محطّة خليجيّة أخرى وهي أبو ظبي. فعلى الفور، قدّمت الإمارات العربيّة المتّحدة منحة قيمتها مليار دولار، ووديعة بقيمة ملياري دولار، وقدّمت بعد ذلك 4.9 مليار دولار لإقامة مشاريع خدماتيّة، فيما حلّت الكويت ثالثة بمساعدات قيمتها 4 مليارات دولار.

قدّمت المساعدات السابقة كلّها في فترة حكومة حازم الببلاوي التي سبقت انتخاب السيسي، وسط توقّعات سياسيّين ومحلّلين اقتصاديّين بأنّ هذه المساعدات ستتواصل لفترة طويلة، معزّزة رؤيتها بتقرير نشره «بنك أوف أميركا»، الذي قدّر حجم التعهّدات الخليجيّة لمصر، خلال العام الماليّ الماضي بـ20.8 مليار دولار، لكن ما استلمته القاهرة فعليّاً لم يتجاوز حاجز الـ18 مليار دولار.

توقّع كذلك تقرير البنك الأميركيّ زيادة الدعم الخليجيّ، عقب الانتخابات الرئاسيّة المصريّة للمساعدة في استقرار الاقتصاد، متحدّثاً عن أنّ مصر تحتاج في العام الماليّ الحاليّ (2014-2015)، ما قيمته 12 مليار دولار للحفاظ على احتياطي النقد الأجنبيّ لدى مصرفها المركزيّ.

إذاً هل استمرّت تلك المعونات أم أوقف الخليج منحه لمصر؟

"لم يتوقّف الدعم الماليّ الخليجيّ لمصر، لكنّ ما حدث أنّ المساعدات انخفضت بشكل كبير"، وفقاً للمدير التنفيذيّ لمجموعة "مالتي بلس" للاستثمار عمر الشنيطي، مضيفاً في تصريحات لـ"المونيتور" أنّ تلك المساعدات قدّمت في الأساس لأسباب سياسيّة، نتيجة دعم دول الخليج باستثناء قطر وقتها، للتخلّص من سيطرة نظام الإخوان المسلمين، إضافة إلى أنّ هذه المساعدات لم تقدّمها الرياض وأبو ظبي والكويت، خلال فترة حكم محمّد مرسي. والواقع يشير إلى أنّ الأموال المنهالة على القاهرة لم تكن لتستمرّ من دون نهاية.

ويقول الباحث غير المقيم في مركز كارنيجي للشرق الأوسط عمرو عدلي لـ"المونيتور"، إنّ "انخفاض الدعم يأتي في شكلين، إمّا في قلّة الأموال المقدّمة إلى مصر أو في صورة وعود لم تنفّذ، معلّلاً ذلك بعدم وجود ضمانات للدول المموّلة بخصوص طرق إنفاق الأموال التي تمنحها إلى مصر. فالإمارات مثلاً كانت أعلنت في آذار/مارس الماضي أنّها ستشيّد مليون وحدة سكنيّة في مصر ضمن مشروع قيمته 40 مليار دولار، وهو ما لم تبدأ به حتّى الآن.

لم يكن انخفاض الدعم الخليجيّ أمراً مفاجئاً للقاهرة، فالإمارات أعلنت صراحة عن ذلك، على لسان وزير شؤون الرئاسة منصور بن زايد آل نهيان، في تشرين الأوّل/أكتوبر 2013، الذي قال: "لن يستمرّ الدعم العربيّ لمصر طويلاً". غير أنّ مصر لم تتّبع سياسات اقتصاديّة من شأنها خفض قيمة العجز. وبحسب عمر الشنيطي، "فقد كان يفترض أن تقوم حكومة الدكتور حازم الببلاوي بالاستمرار في سياسة التقشّف للسيطرة على العجز، إلّا أنّه حدث عكس ذلك. وساهمت المساعدات الخليجيّة السخيّة على انتهاج الحكومة سياسة توسعيّة، فرفعت الإنفاق الحكوميّ لكي يشعر المواطنون بالتحسّن الاقتصاديّ".

أسندت الإمارات بدورها إلى بنك لازارد الفرنسيّ، المتخصّص في تقديم الاستشارات والحلول الفعّالة للمشاكل الماليّة، إعداد تقرير عن الحاجات التمويليّة لمصر وأهمّ مشاكلها الاقتصاديّة. وانتهى التقرير إلى أنّ مصر تحتاج إلى 30 مليار دولار سنويّاً لمدّة 4 سنوات، منها 15 مليار دولار لسدّ الفجوة التمويليّة للمصرف المركزيّ، أيّ الحفاظ على مستوى آمن للاحتياطيّ من النقد الأجنبيّ يغطّي 3 أشهر من الواردات، إضافة إلى 15 مليار دولار أخرى في صورة استثمارات لتحقيق معدّل نموّ بنسبة 5% في المتوسّط خلال الأربع سنوات المقبلة.

ولفت الشنيطي إلى أنّه، وبعد وصول الرئيس عبد الفتّاح السيسي إلى سدّة الحكم، انتظر الجميع التدفّق الغزير للدعم الخليجيّ (بحسب ما توقّع بنك أوف أميركا)، وإطلاق مشاريع قوميّة عملاقة، نوّه عنها السيسي قبل تولّيه السلطة. وتمّ بالفعل إطلاق مشاريع عملاقة كقناة السويس الجديدة. لكنّ المليارات الخليجيّة لم تتدفّق، وكان على الحكومة اللجوء إلى التمويل المحليّ. كما قامت حكومة إبراهيم محلب في مراحل خطّة التقشّف الأولى برفع أسعار الطاقة (البنزين والغاز الطبيعيّ) في تمّوز/يوليو الماضي.

مؤتمر المانحين

وفور الإعلان عن فوز السيسي برئاسة البلاد، دعت المملكة العربيّة السعوديّة إلى عقد مؤتمر للمانحين لمساعدة مصر على تجاوز أزمتها الاقتصاديّة. وطالب العاهل السعوديّ الملك عبد الله بن عبد العزيز الدول القادرة بمدّ يدّ المساعدة إلى مصر، قائلاً: "مصر أحوج ما تكون إلينا لتتمكّن من الخروج من النفق المجهول".

ووفق تصريحات حكوميّة، إنّ مؤتمر المانحين (أسمته حكومة محلب مؤتمر مصر الاقتصاديّ في شرم الشيخ 2015) يستهدف تحقيق تمويل مشاريع تتجاوز الـ60 مليار دولار.

انخفاض أسعار النفط وتأثيره على المساعدات الخليجيّة

تختلف أراء الاقتصاديّين في مصر حول تأثير انخفاض سعر برميل البترول على إسهام دول الخليج في المشاريع الداعمة لمصر. ففي حين يرى المحلّل الاقتصاديّ عمر الشنيطي، أنّ أزمة النفط ستؤثّر سلباً على دول الخليج، وبالتالي على حجم المشاريع الاستثماريّة التي ستشارك فيها، يرى أحمد عدلي أنّه من المبكر الحديث عن تداعيات أزمة النفط على النهوض بالاقتصاد المصريّ. فبحسب رأيه، إنّ الفوائض الرأسماليّة لدول الخليج ضخمة للغاية (2 إلى 3 تريليون دولار)، ولن يؤثّر بها انخفاض سعر البترول (64 دولاراً للبرميل).

وصفة العلاج

يقول المدير التنفيذيّ لمجموعة "مالتي بلس" للاستثمار، إنّ على الحكومة المصريّة التراجع عن إطلاق المشاريع القوميّة العملاقة التي تمتصّ السيولة من السوق، وتدرّ عوائد على المدى البعيد، كخطوة أساسيّة في طريق الخروج من الأزمة الاقتصاديّة التي تعاني منها الدولة.

وطالب المسؤولين بالإسراع في التوصّل إلى اتّفاق مع صندوق النقد الدوليّ للحصول على تمويل ميسّر، وعملة صعبة تدافع عن الجنيه المصريّ، وكذلك تمنح الاقتصاد شهادة ثقة دوليّة، إضافة إلى إدراك أن السياحة والاستثمار الأجنبي مرهونان باستقرار الوضع الأمني وكل ذلك يحتاج إلى إعادة النظر في استراتيجية إدارة الوضع الداخلي.

 

مصدر الترجمة: 
Al-Monitor