محاولات إسرائيلية للتغلغل في قطاع الطاقة العربي

مقال رأي

عقدت «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» ندوة في بيروت الأسبوع الماضي في عنوان «الغاز في شرق المتوسط: التحديات والإمكانات»، شملت مواضيعها الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لاكتشافات الغاز في مياه شرق المتوسط، بخاصة توقيع مذكرات تفاهم لتزويد دول عربية غازاً من الحقول الإسرائيلية على مدى 20 - 25 سنة. وتطرقت أيضاً إلى ظاهرة استعداد شركات عالمية للتعاون مع إسرائيل، بعد امتناع معظمها عن التعاون سابقاً، خوفاً من المقاطعة العربية، باستثناء شركة «نوبل إنرجي» الأميركية التي حققت حتى الآن كل الاكتشافات الإسرائيلية.

أظهرت الدراسات في الندوة سياسة إسرائيلية جديدة تهدف إلى ولوج قطاع الطاقة العربي. وهي إن نجحت في ذلك، تستطيع تدريجاً التأثير في إمدادات الكهرباء وأسعارها في الدول المعنية. والمحاولة الإسرائيلية اختراق لصناعة الطاقة العربية.

أشارت الدراسات التي تم استعراضها إلى أن إسرائيل لم توقع حتى الآن اتفاقاً لبيع الغاز مع كل من الأردن أو مصر. فالموضوع لا يزال قيد النقاش. وما تم التوقيع عليه مذكرات تفاهم بين الشركات المعنية، وهي في حاجة إلى موافقات حكومية للحصول على الموافقة النهائية. ويذكر أن البرلمان الأردني ناقش هذا الموضوع أخيراً وأوصى الحكومة بعدم الموافقة على استيراد الغاز من إسرائيل. في الوقت ذاته، يحاول كل من مصر والأردن استيراد الغاز من دول أخرى لتفادي شراء الغاز الإسرائيلي. فمصر تتفاوض مع قبرص لاستيراده عبر خط أنابيب، أو استيراد غاز مسال من الجزائر. والأردن ينفذ مشروعاً في العقبة لاستيراد الغاز المسال من قطر أو دول أخرى. والهدف عند الدولتين هو تأمين إمدادات غاز بالسرعة الممكنة وبأسعار تجارية. أما الاتفاق الذي وقّع فعلاً فهو مع شركة الكهرباء الفلسطينية لتزويدها غازاً لمدة ربع قرن لمحطة جنين التي لا تزال تحت التشييد. واعتبرت إسرائيل إمدادات الغاز لمحطة جنين بمثابة التزويد للاستهلاك الداخلي الإسرائيلي وليس جزءاً من التصدير للخارج. هذا يعني ضمناً أن إسرائيل مصممة على إبقاء الضفة الغربية تحت الاحتلال لمدة 25 سنة أخرى.

كما ناقشت الندوة مجالات عدة لصناعة الغاز عربياً، منها تأجيل لبنان، لأسباب داخلية، المضي في الجولة الأولى للمناقصات واختيار الشركات الدولية التي ستنقب عن البترول في مياهه، بخاصة أن الدول المجاورة بدأت الإنتاج وتخطط لتصدير الغاز. وأثار التأخير في لبنان تساؤلات حول مدى استمرار اهتمام الشركات النفطية في التنقيب في مياهه. وبحثت أيضاً ورقة حال الاكتشاف في المياه السورية، حيث تم توقيع عقد واحد أخيراً مع شركة نفطية روسية. ونبهت الندوة إلى الأخطار والتحديات الناتجة من تأخير رسم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة ما بين دول شرق المتوسط، خصوصاً لأن معظم الاكتشافات يقع في هذه الأماكن بالذات.

وجــرى استعــراض ورقة بحثية حول حقل «غزة مارين» في المياه الفلسطينية، والذي تمنع إسرائيل تطويره منذ اكتشافه عام 2000، في وقت يزداد استهلاك الكهرباء في مناطــق السلطة الفلسطينية (قطاع غزة والضفة الغربية) نحـــو 6 في المئة سنوياً، ما سيؤدي إلى حاجــة متــزايدة ومرتفعـــة للطــاقة الكهربائية وزيادة كبيرة فـــي فاتورة استيراد الكهرباء والوقود للسلطة الفلسطينية من إسرائيل، ما يزيد التبعية لها والاعتماد عليها.

حققت شركة «نوبل إنرجي»، بالشراكة مع شركات إسرائيلية صغيرة، كل الاكتشافات في المياه الشمالية الإسرائيلية، ما ألقى عبئاً ضخماً على الشركات في تطوير الحقول السبعة، منها حقل «ليفاياثان» الضخم الذي تقدر تكاليف تطويره بنحو 6.5 بليون دولار. وأثار هذا الأمر مسألتين أساسيتين في إسرائيل: احتكار «نوبل» إمدادات الغاز للسوق المحلية الإسرائيلية، ما أثار حفيظة «هيئة منع الاحتكارات» التي طالبت «نوبل» ببيع بعض اكتشافاتها لشركات دولية لكسر هذا الاحتكار. وبالفعل، تفاوضت «نوبل» مع شركات روسية وأسترالية، من دون التوصل إلى اتفاق. لكن، يتضح أن هناك الآن مفاوضات متقدمة جارية مع شركة إيطالية كي تشتري حقل «كاريش» القريب جداً من المياه اللبنانية، إضافة إلى حقل «تنين» المجاور له، وأيضاً جزء من حقل «ليفاياثان» القريب منهما. ستستطيع «نوبل» في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، توفير السيولة اللازمة لتطوير «ليفاياثان»، وتلبية مطلب «هيئة منع الاحتكارات». كما سيعني هذا أن الشركة الإيطالية ستمضي قدماً في تطوير حقل «كاريش».

تواجه صادرات الغاز الإسرائيلية المحدودة الحجم تحديات عدة. فأسواق آسيا تصعب المنافسة فيها، نظراً إلى الاحتياطات الغازية الضخمة للدول شرق قناة السويس (قطر، إيران، إندونيسيا، أستراليا وماليزيا)، ناهيك عن موزامبيق. والأسواق الأميركية أصبحت مشبعة بالغاز الصخري. وأميركا تخطط للتصدير الآن، وليس للاستيراد. ما يعني أن هناك سوقين محتملتين: أوروبا والشرق الأوسط.

تعددت الاقتراحات لتصدير الغاز الإسرائيلي لأوروبا، وكان آخرها لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن، لمد خط أنابيب لغاز مصر وإسرائيل وقبرص عبر تركيا واليونان إلى شبكة الغاز الأوروبية. ويحاول هذا الاقتراح أيضاً تحقيق مكاسب سياسية في الوقت ذاته: عزل الغاز المصري عن الأسواق العربية وربطه بالصادرات الإسرائيلية، توحيد جمهورية قبرص، توفير إمدادات غازية لأوروبا، لتساعد في وقف تبعيتها للغاز الروسي. طبعاً، لا تتوافر احتياطات غاز في شرق المتوسط لتعويض الغاز الروسي لأوروبا. كما أن لتركيا في عهد الرئيس أردوغان أجندات وأولويات مختلفة عن واشنطن. أما أسواق الشرق الأوسط، فهي اختيار محتمل لإسرائيل حيث هناك عجز بعضه أساسي (كما هو في الأردن) أو مرحلي (مصر) تحاول إسرائيل ملء الفراغ والتغلغل فيهما.

دار نقاش واسع في الندوة حول ظاهرة الغاز في مصر. وطرحت تساؤلات عن الأسباب لتحول مصر من دولة مصدرة الغاز إلى دولة مستوردة له في فترة قصيرة جداً. وتبين أن هناك سوء تخطيط للعرض والطلب الداخلي، وانخفاض الأسعار للسوق المحلية ما زاد من الاستهلاك، والفساد (تسعير الغاز المصري لإسرائيل بنحو 70 سنتاً لكل مليون وحدة بريطانية، أي أقل من كلفة الإنتاج)، بينما تبيع «نوبل» الآن الغاز للسوق الإسرائيلية بسعر 5.50 دولار لكل مليون وحدة بريطانية.

 
 

مصدر الترجمة: 
Al-Monitor